رئيس مجلس الإدارة
عبدالحفيظ عمار
رئيس التحرير
محمد صلاح

محمد صلاح يكتب:-"الإحباط أخطر من الأعطال"

عالم الطاقة

في قطاع الكهرباء، نتحدث كثيرًا عن تطوير الشبكات، وزيادة القدرات، وخفض الفقد، وتحسين جودة الخدمة، وهي أهداف مهمة لا خلاف عليها ٠٠٠٠لكن هناك سؤالًا يفرض نفسه بقوة: من يهتم بحالة العامل النفسية والمعنوية؟

فالعاملون في شركات الكهرباء ليسوا مجرد أرقام على كشوف المرتبات، ولا مجرد أدوات لتنفيذ الخطط والمشروعات٠٠٠ في المقام الأول هم بشر لديهم أسر والتزامات وأحلام وطموحات، ويعيشون نفس الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها ملايين المصريين.

وعلى مدار السنوات الماضية، كان العاملون  بالقطاع في الصفوف الأولى لمواجهة التحديات، فتحملوا ضغوط العمل المتزايدة، وواصلوا أداء مهامهم في أصعب الظروف، من موجات الحر القياسية إلى فترات الطوارئ والأزمات المختلفة، وساهموا في الحفاظ على استقرار الشبكة الكهربائية التي تمثل شريانًا حيويًا للدولة والاقتصاد. ورغم هذه الجهود والتضحيات، يتنامى لدى الكثير منهم شعور بأن أوضاعهم المعيشية لم تعد تعكس حجم ما يقدمونه من عمل ومسؤوليات، في ظل الارتفاع المستمر لتكاليف الحياة وتراجع القدرة الشرائية للدخول مقارنة بالأعباء اليومية المتزايدة.

وبكل مصداقية ووضوح حمل العاملون بالقطاع مسؤولية تأمين أحد أهم مرافق الدولة ٠٠٠ عملوا ليلًا ونهارًا وسط ظروف تشغيل صعبة وضغوط متواصلة، وواجهوا الأعطال والطوارئ وموجات الحر القاسية دون أن تتوقف الخدمة أو تتعطل مصالح المواطنين !!!! لكن المفارقة أن كثيرًا من هؤلاء العاملين باتوا يشعرون اليوم بأن تضحياتهم وجهودهم لا تنعكس على أوضاعهم المعيشية، وأن الفجوة تتسع يومًا بعد يوم بين حجم المسؤولية التي يتحملونها والدخل الذي يحصلون عليه؟؟؟؟


هناك حالة صامتة من الإحباط تتسلل إلى نفوس العاملين !!! حالة لا تظهر في التقارير الرسمية ولا في اجتماعات القيادات، لكنها موجودة في أحاديث المكاتب، وبين فرق الصيانة، وداخل مراكز التحكم، وفي مواقع العمل المنتشرة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب.

إحساس متزايد بأن الدخل لم يعد يكفي متطلبات الحياة الأساسية، وأن الفجوة بين الرواتب والأسعار تتسع يومًا بعد يوم، وأن الأعباء المالية أصبحت أكبر من قدرة الكثيرين على الاحتمال.

الأخطر من ذلك أن هذا الإحساس حين يتراكم يتحول إلى شعور بالظلم وعدم التقدير، ثم إلى غضب مكتوم، ثم إلى فقدان الحماس والانتماء !!!! وهنا تبدأ الخسارة الحقيقية لأي مؤسسة.

ولهذا ربما أصبح من الضروري التفكير خارج الصندوق، من خلال إنشاء إدارة متخصصة للدعم النفسي والتنمية البشرية والسلوك الوظيفي داخل قطاع الكهرباء، تكون مهمتها الحقيقية الاستماع للعاملين قبل مطالبتهم بالمزيد من العطاء.

إدارة ترصد مؤشرات الرضا الوظيفي، وتدرس أسباب الاحتقان، وتنقل نبض العاملين إلى متخذي القرار، وتساعد على احتواء المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات.

فالموظف الذي يشعر بالتقدير والإنصاف يمكنه أن يتحمل الكثير من الضغوط، أما الموظف الذي يشعر بأنه يقاتل يوميًا من أجل لقمة العيش دون أفق واضح لتحسين أوضاعه، فإن طاقته النفسية تتآكل تدريجيًا مهما كان مخلصًا في عمله.

إن الحديث عن الصحة النفسية للعاملين لم يعد رفاهية إدارية، بل أصبح ضرورة للحفاظ على كفاءة المؤسسات واستقرارها. فالشبكات يمكن تطويرها، والمحطات يمكن تحديثها، والمعدات يمكن استبدالها، لكن استعادة الحماس بعد فقدانه ليست مهمة سهلة.

رسالة العاملين اليوم ليست طلبًا للمستحيل، وليست دعوة للصدام أو الاحتجاج، بل هي صرخة تبحث عن آذان تسمع وقلوب تدرك حجم المعاناة اليومية التي يعيشها آلاف العاملين الذين يحملون على عاتقهم مسؤولية خدمة ملايين المشتركين.

فالإنسان يظل أغلى أصول المؤسسة، وأخطر ما يمكن أن تواجهه أي جهة ليس عطلًا فنيًا في شبكة أو محطة، بل عطلًا في الروح المعنوية لمن يديرون هذه الشبكة ويحافظون عليها !!!!

تم نسخ الرابط
ads