محمد صلاح يكتب:-هل نفد رصيد “كشري”؟
في المؤسسات الخدمية، لا تُقاس القيادات بعدد الاجتماعات، ولا بحجم التقارير، ولا بالأرقام التي تُسطر في الملفات، وإنما تُقاس بقدرتها على إدارة الأزمات، واحتواء الغضب، والتواجد وسط المواطنين والعاملين. فهناك فارق كبير بين إدارة تُجيد كتابة التقارير، وإدارة تُجيد حل الأزمات.
ويبدو أن أول اختبار حقيقي كشف عن فجوة واسعة بين ما يُعلن داخل قاعات الاجتماعات، وما يلمسه المواطن على أرض الواقع، في واحد من أكبر الكيانات بقطاع الكهرباء، حيث باتت الشكاوى تتزايد، بينما تتراجع سرعة الاستجابة، ويغيب الحضور الميداني الذي تنتظره الجماهير في أوقات الضغط.
المشكلة ليست في انقطاع هنا أو عطل هناك، فكل المرافق الخدمية في العالم تتعرض لضغوط واختبارات قاسية، لكن الأزمة الحقيقية تبدأ عندما يشعر المواطن بأن صوته لا يصل، وأن المسؤول بعيد عن المشهد، وأن من يواجه الغضب اليومي هم العاملون في الصفوف الأولى، بينما تغيب القيادة عن تحمل مسؤولياتها.
لقد تحولت الأرقام إلى مجرد حبر على ورق !!!! لنتسائل ما قيمة نسب الإنجاز التي تُعرض في الاجتماعات إذا كان المواطن لا يلمس أثرها؟ وما جدوى التقارير الوردية إذا كان الموظف يقف وحده في مواجهة سيل من الشكاوى والانتقادات بسبب قرارات لم يكن طرفًا في صناعتها؟
القيادة الحقيقية لا تختبئ خلف المكاتب، بل تنزل إلى مواقع العمل، وتتابع بنفسها، وتستمع إلى الناس قبل أن تستمع إلى التقارير. أما إدارة المشهد من بعيد، فهي وصفة مضمونة لاتساع الفجوة بين المؤسسة وجمهورها، ولتآكل الثقة التي تُعد رأس المال الحقيقي لأي مرفق خدمي.
في المؤسسات الكبرى، لا تبقى القيادات بالمجاملة، وإنما تبقى بقدر ما تحققه من نتائج !!!!! وعندما تتراجع مؤشرات الأداء، وتتزايد شكاوى المواطنين، يصبح تقييم التجربة أمرًا طبيعيًا، وليس استهدافًا لأحد.
اليوم، تتزايد الشكاوى، وتتراجع الثقة، ويزداد الشعور بوجود فجوة بين ما يُقال وما يحدث بالفعل. وهذه الفجوة هي أخطر ما يمكن أن تواجهه أي مؤسسة خدمية، لأنها تهز صورة المؤسسة أمام المواطن، وتُحبط العاملين الذين يجدون أنفسهم في مواجهة الأزمة دون دعم أو حضور قيادي واضح.
لا أحد يطالب بالمستحيل، لكن الجميع يطالب بإدارة تمتلك سرعة الاستجابة، وقدرة التحرك، والشجاعة في تحمل المسؤولية. أما إذا استمرت سياسة الاكتفاء بالأرقام والتقارير، فإن الخاسر لن يكون مسؤولًا بعينه، بل المؤسسة بأكملها، والعاملون فيها، والمواطن الذي ينتظر خدمة تليق به.
المناصب لا تُمنح لتُدار من خلف الأبواب المغلقة، وإنما تُمنح لمن يستطيع القيادة وقت الأزمات. وإذا كان أول اختبار قد كشف هذا القدر من الارتباك، فمن حق الجميع أن يطرح السؤال: هل الإدارة الحالية قادرة على استعادة ثقة المواطنين والعاملين، أم أن المرحلة أصبحت بحاجة إلى رؤية مختلفة وقيادة أكثر حضورًا على الأرض؟
ليس المطلوب تحميل شخص واحد كل المسؤولية، لكن من يتولى قيادة أحد أكبر الكيانات في قطاع الكهرباء يجب أن يكون حاضرًا في الميدان قبل أن يكون حاضرًا في الاجتماعات، وأن تكون جولاته بين المواطنين والعاملين جزءًا من واجباته اليومية، لا مجرد مناسبات بروتوكولية.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل نفذ رصيد "كشرى" تزامنا مع الحديث عن حركة تغيير تستهدف تصحيح المسار؟ ولكن الإجابة ليست عند كاتب المقال، وإنما عند أصحاب القرار، الذين سيحكمون في النهاية بالمعيار الوحيد الذي لا يقبل التأويل… "النتائج" ٠٠