محمد صلاح يكتب:-"منصور ومحمود"..من كسب معركة التوك شو؟
في عالم الإعلام، لا تُقاس كفاءة المتحدث الرسمي فقط بما يقوله، وإنما بكيفية قوله، وتوقيته، وقدرته على تحويل المعلومة المعقدة إلى رسالة بسيطة تصل إلى المواطن دون إثارة جدل أو فتح أبواب للتأويل.
وخلال الأيام الماضية، فرضت مداخلات المتحدثين الرسميين لوزارتي الكهرباء والبترول نفسها على شاشات برامج التوك شو، لكنها قدمت نموذجين مختلفين في إدارة الحوار الإعلامي، وهو ما يفتح الباب أمام قراءة مهنية بعيدًا عن الأحكام الشخصية.
منصور عبدالغني، المتحدث الرسمي باسم وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة، اعتاد الظهور الإعلامي بهدوء وثقة، معتمدًا على لغة واضحة وأرقام دقيقة ورسائل محددة.
ومن يتابع مداخلاته يلاحظ أنه يتعامل بحذر مع كل معلومة يطرحها، فلا يسبق البيانات الرسمية، ولا ينجرف إلى الإجابات السريعة، بل يفضل تقديم معلومات دقيقة حتى وإن استغرق ذلك وقتًا أطول في الرد.٠٠٠ ناهيك حرصه على الإجابة المباشرة عن أسئلة المذيع، مع تبسيط المصطلحات الفنية وربطها بما يهم المواطن، سواء تعلق الأمر بالأحمال الكهربائية، أو استقرار الشبكة، أو خطط الوزارة لمواجهة ذروة الاستهلاك.
هذا الأسلوب جعل رسالته الإعلامية أكثر استقرارًا، وساعد في الحد من الجدل، لأن الهدف كان دائمًا نقل المعلومة لا صناعة الحدث.
في المقابل، جاءت مداخلة المهندس محمود ناجي، المتحدث الرسمي باسم وزارة البترول والثروة المعدنية، في أحد برامج التوك شو لتؤكد حقيقة يعرفها العاملون في مجال الاتصال المؤسسي، وهي أن الكلمة الواحدة قد تتحول إلى عنوان رئيسي إذا لم تُصغ بالصياغة المناسبة.
ورغم أن مضمون الرسالة التي أراد إيصالها كان يرتبط بتوضيح موقف الوزارة، فإن بعض العبارات وطريقة التعبير فتحت الباب أمام تفسيرات متعددة على مواقع التواصل الاجتماعي، لتتحول المداخلة نفسها إلى محور للنقاش، بدلاً من أن يبقى التركيز على مضمون الرسالة.
وهنا لا يتعلق الأمر بسلامة المعلومات، وإنما بإدارة الرسالة الإعلامية. فالإعلام لا ينقل الكلمات فقط، بل ينقل أيضًا نبرة الصوت، وطريقة الإجابة، واختيار المفردات، وحتى رد الفعل أثناء الحوار.
والإنصاف يقتضي التأكيد على أن المهندس محمود ناجي من الكفاءات التي تحظى بالاحترام داخل قطاع البترول، ويجتهد في أداء دوره كمتحدث رسمي، ونجح في العديد من المواقف في تقديم رسائل إعلامية واضحة ٠٠٠وأي مداخلة قد تثير جدلًا لا ينبغي أن تختزل مسيرة مهنية أو أداءً إيجابيًا مستمرًا.
المتحدث الرسمي اليوم لم يعد مجرد ناقل للمعلومات، بل أصبح جزءًا من منظومة إدارة الأزمات. فظهوره على الهواء مباشرة يتطلب استعدادًا مسبقًا، وتوقعًا للأسئلة الصعبة، وصياغة رسائل قصيرة وواضحة، مع القدرة على امتصاص أي محاولة لدفع الحوار نحو مسارات جانبية.
النجاح في مداخلة تلفزيونية لا يعني الحديث المطول، بل يعني أن يغادر المشاهد الحلقة وهو يحمل الرسالة التي أرادت المؤسسة إيصالها، لا أن ينشغل بعبارة أثارت الجدل أو جملة خرجت من سياقها.
وفي النهاية، يبقى الدرس الأهم أن المتحدث الرسمي هو الواجهة الإعلامية لمؤسسته. وكل ظهور على شاشة التلفزيون يمثل اختبارًا حقيقيًا لمهارات الاتصال، لأن دقيقة واحدة أمام ملايين المشاهدين قد تعزز ثقة الجمهور في المؤسسة، أو تفرض عليها معركة إعلامية لم تكن في الحسبان.
وبين تجربة منصور عبدالغني وتجربة محمود ناجي، تبدو الرسالة الأوضح أن الإعلام لا يحاكم النوايا، وإنما يحاكم ما يصل إلى الجمهور. وفي زمن تنتشر فيه المقاطع القصيرة أسرع من البيانات الرسمية، أصبحت دقة الكلمة وحسن إدارتها ضرورة لا تقل أهمية عن صحة المعلومة نفسها٠