رئيس مجلس الإدارة
عبدالحفيظ عمار
رئيس التحرير
محمد صلاح

د. نبيه يكتب: "حريق ميناء دمياط لعبة إستراتيجية فاشلة من حيث التوقيت والمكان"

عالم الطاقة

التغطية الإعلامية لخبر الحريق الذي اندلع يوم 29 يوليو في ميناء دمياط يعد سقطة إعلامية، فتحت باب كبير للشائعات والتخبط الداخلى نتيجة عدم الدقة، وتجاهل الأضرار المحتملة عن القصف وكيفية تجنبها. مما زاد الطين بلة الفتاوى الداخلية على صفحات التواصل الإجتماعى من غير المتخصصين معتمدين على مصادر خارجية غير موثوقة. حريق ميناء دمياط لعبة إستراتيجية فاشلة من حيث التوقيت والمكان, لعلى من خلال السطور التالية أتمكن من إلقاء الضوء على المتاح من معلومات بخصوص الموضوع, ثم تقييمها مع طرح تصور شخصى للمستفيد منها، وذلك بغرض التوعية من خلال عدة أسئلة وأجوبة.

السؤال: ما سبب حريق ميناء دمياط يوم 29 يوليو وما الأضرار الاقتصادية والتبعات الأخرى المحتملة الناتجة عنه؟ 
أكد مجلس الوزراء المصري في 30 يوليو 2026 أن الحريق الذي اندلع يوم 29 يوليو في ميناء دمياط كان ناتجاً بالفعل عن هجوم بطائرة مسيّرة (درون). من المهم توضيح نقطة فنية دقيقة؛ الهجوم لم يستهدف مرافق "محطة الإسالة" البرية بحد ذاتها، بل استهدف سفينتين راسيتين في الميناء: سفينة التخزين، وسفينة التغييز العائمة (FSRU) "إنرجوس وينتر". 
يمكن تلخيص الأضرارالاقتصادية والتبعات الأخرى المحتملة الناتجة عنه فى السطور التالية: خروج سفينة التغييز "إنرجوس وينتر" عن الخدمة مؤقتاً يشكل ضغطاً مباشراً على منظومة إمدادات الغاز في مصر، والتي تعتمد على هذه الوحدة لتحويل شحنات الغاز المسال المستوردة إلى حالتها الغازية وضخها في الشبكة القومية. صرحت وزارة الكهرباء أن إمدادات الوقود لمحطات التوليد لا تزال مستقرة حتى اللحظة، حيث تستهلك الشبكة نحو 140 مليون متر مكعب من الغاز يومياً و15 ألف طن من المازوت للتعامل مع أحمال الصيف. هبط المؤشر الرئيسي للبورصة المصرية بنسبة 1.6% في بداية تداولات 30 يوليو، لتفقد السوق نحو 63 مليار جنيه من قيمتها الرأسمالية. تراجع الجنيه المصري ليسجل حوالي 51.14 جنيه للبيع مقابل الدولار في البنك الأهلي المصري، كاستجابة مباشرة للتوترات. رغم السيطرة على الحريق وعدم وقوع إصابات بشرية، إلا أن الحدث قد يرفع من علاوة المخاطر وتكاليف التأمين والشحن البحري في الموانئ المصرية ورغم حساسية الحادث، أوضحت المصادر الحكومية أن ميناء دمياط مستمر في العمل واستقبال السفن التجارية بشكل طبيعي، مع استمرار عمل رصيف الغاز بالميناء بطاقته المعتادة.


السؤال: كيف واجهته السلطات المصرية؟ 
طبقا لمصادر موثوقة إعلامية خارجية واجهت السلطات الأزمة بتحويل مسار بعض الشحنات للغاز مسال إلى ميناء العقبة الأردني، ليتم تغييزها هناك وإرسالها إلى مصر عبر خطوط الأنابيب لتعويض توقف عملية التغييز في دمياط مؤقتا، وكذلك بزيادة وارداتها من شحنات المازوت بنسبة 80% خلال شهر أغسطس، لتجنب العودة لخطط تخفيف الأحمال القاسية نتيجة نقص الغاز. مصر قامت أيضا بتحريك سفينة تغويز احتياطية متواجدة في ميناء العقبة لإدخالها الخدمة فورا لحين إصلاح السفينة الأساسية التي تم سحبها لـ 3.5 كم داخل المياه للسيطرة الكاملة (عمليات الإطفاء استمرت من 4 عصر الأربعاء لـ 4 صباح الخميس، واستخدمت فيها طائرات مسيرة كشافة لتحديد مصادر اللهب وسط النيران).
كما أن شركة "شيفرون" وشركاؤها المشغلين في حقل ليفياثان أتخذوا القرار المباشر بزيادة الضخ فى خط الأنابيب  الممتد إلى مصر للحد الأقصى، تنفيذاً لالتزاماتها التعاقدية مع المستورد المصري (بلو أوشن إنرجي) واستغلالاً للبنية التحتية المطورة حديثاً وفقا للمصالح الإقتصادية، وبالفعل أرتفعت الصادرات من الغاز الطبيعي إلى مصر بنحو 50 مليون قدم مكعب يومياً بدءاً من يوم الخميس ليصل إجمالي الإمدادات إلى 1.250 مليار قدم مكعب يوميا .

السؤال: لماذا تعتقد أن حريق ميناء دمياط لعبة إستراتيجية فاشلة من حيث التوقيت والمكان؟
لو أفترضنا أن إيران وجماعاتها هم من يقف وراء هذه إطلاق المسيرة، التى تسببت بالحريق تطبيقا للاستراتيجية الإيرانية، التى تعتمد بشكل أساسي على القدرات غير المماثلة (الطائرات المسيرة طويلة المدى، والصواريخ الموجهة، والوكلاء الإقليميين) بغرض  التواجد في شرق المتوسط، وخنق ممر السويس من الطرفين. ذلك فاشل لأن الامتداد الاستراتيجي المستدام في البحار يتطلب أساطيل بحرية حربية وقواعد دائمة وإيران لا تمتلك حضوراً بحرياً تقليدياً في البحر المتوسط، مقارنة بالقوى الكبرى والإقليمية (الأسطول السادس الأمريكي، القواعد الأوروبية، القوات البحرية المصرية، والتحالفات الإقليمية) المتواجدة فيه. أي أن أى تهديد مستمر هناك يواجه جدار صد دفاعي واستخباراتي عالي التعقيد.
أنا شخصيا أميل للرأى بأن إسرائيل هى من يقف وراء هذه العملية، من خلال عملائها على الرغم من موافقتها على طلب شيفرون لزيادة ضخ الغاز لمصر خلال خط أنابيب بعد الحريق مباشرة، فذلك يحقق مكاسب مالية هى فى أشد الحاجة إليها ويثير الفتنة لدى بعض المعارضين لصفقة الغاز فى مصر، مع تظاهرها بمظهر الصديق. دليلى توقيت العملية كان فى المرحلة النهائية من نجاح مصر فى عقد إتفاقية سلام فى غزة، بموافقة أمريكية وضعف الموقف الإسرائيلى. الحمد الله أعلنت الإتفاقية اليوم، وسببت الإحراج للتعنت الإسرائيلى مع إحتواء مصرى ناجح لتداعيات حريق ميناء دمياط.

السؤال: طيب وأيه موقف أمريكا الداعم الرئيسى لإسرائيل؟
نتنياهو ورط الرئيس الأمريكى ترامب فى حرب إيران الطويلة الخاسرة، مما أفقده وحزبه شعبيتهما وهذا ظهر فى نسبة التصويت أمس فى مجلس الشيوخ الأمريكى بالموافقة على إمتداد صلاحيات العمليات العسكرية لترامب فى إيران بفرق صوت واحد (خمسون صوت مقابل تسعة وأربعين صوت). أمريكا تخطط للخروج من المنطقة، وتترك السعودية فى توازن نووى مع إيران. إن إستمرار الصراعات عالميا سواء فى المنطقة أو أوكرانيا سيتطلب شراء أسلحة دفاعية من أمريكا، مما ينعشها. كمثال يؤكد ذلك منحت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) شركة "لوكهيد مارتن" عقداً تصل قيمته الإجمالية إلى 58.6 مليار دولار لإنتاج صواريخ الاعتراض الخاصة بمنظومة الدفاع الجوي "باتريوت". هذا التمويل سيمكنها من زيادة طاقتها الإنتاجية لصواريخ (PAC-3 MSE) إلى ثلاثة أضعاف بحلول نهاية عام 2030 مما سيسهم فى زيادة في العمالة بنحو 50% (من حوالي 1200 إلى 1850 موظفاً)، بالإضافة إلى تخصيص استثمارات تتراوح بين 8 إلى 9 مليارات دولار لتحديث أكثر من 20 منشأة أمريكية أخرى. المصالح هى اللغة السائدة، ومصر نجحت فى إيجاد دور إيجابى بناء ويعتمد عليها، بينما إسرائيل إنزلقت لمستنقع بسبب سياسات نتنياهو المتهورة. 

الخلاصة: حريق ميناء دمياط لعبة إستراتيجية فاشلة من حيث التوقيت والمكان فالامتداد الاستراتيجي المستدام في البحار يتطلب أساطيل بحرية حربية وقواعد دائمة وإيران فى حالة إفتراض مسئوليتها عن حريق ميناء دمياط،  لا تمتلك حضوراً بحرياً تقليدياً في البحر المتوسط، مقارنة بالقوى الكبرى والإقليمية (الأسطول السادس الأمريكي، القواعد الأوروبية، القوات البحرية المصرية، والتحالفات الإقليمية) المتواجدة فيه. أي أن أى تهديد مستمر هناك يواجه جدار صد دفاعي واستخباراتي عالي التعقيد. أنا شخصيا أميل للرأى بأن إسرائيل هى من يقف وراء هذه العملية، من خلال عملائها على الرغم من موافقتها على طلب شيفرون، لزيادة ضخ الغاز لمصر خلال خط أنابيب بعد الحريق مباشرة، فذلك يحقق مكاسب مالية هى فى أشد الحاجة إليها، ويثير الفتنة لدى بعض المعارضين لصفقة الغاز فى مصر، مع تظاهرها بمظهر الصديق. دليلى توقيت العملية كان فى المرحلة النهائية من نجاح مصر فى عقد إتفاقية سلام فى غزة، بموافقة أمريكية وضعف الموقف الإسرائيلى. الحمد الله أعلنت الإتفاقية اليوم، وسببت الإحراج للتعنت الإسرائيلى مع إحتواء مصرى ناجح لتداعيات حريق ميناء دمياط. الأحداث تثبت الدور المصرى الهام فى المنطقة، وكذلك الأهمية الاستراتيجية للبنية التحتية المصرية (مثل خط أنابيب سوميد وميناء سيدي كرير) كبديل آمن وموثوق لضمان استمرار تدفق إمدادات الطاقة العالمية في أوقات التوترات الجيوسياسية. الثقة مطلوبة فيمن يمثلنا، مع عدم ترك فراغ إعلامي لمدة ساعات عند تغطية أى حدث، حتى لا تستغله أى جهه  برسم سيناريو يخدم مصالحها.

د. نبيه أحمد نبيه
محاضر بترول فى علوم القاهرة 
مساعد رئيس جنوب القابضة للإتفاقيات والإستكشاف سابقا

تم نسخ الرابط
ads