مصر تعيد إحياء حقول النفط المتقادمة.. رهان بـ4 مليارات دولار لزيادة الإنتاج 30%
تراهن وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية على إعادة إحياء الحقول النفطية المتقادمة، عبر برنامج يستهدف استعادة احتياطيات قابلة للاستخراج وزيادة الإنتاج من الأصول القائمة بنحو 30% خلال العامين الماليين الحالي والمقبل، في مسار موازٍ مع عمليات التوسع في طرح امتيازات للبحث عن الاكتشافات البترولية الجديدة والتي تحتاج إلى سنوات واستثمارات أكبر قبل دخولها مرحلة الإنتاج.
كشف مصدر مسؤول لـ"العربية Business" أن الوزارة تعمل مع الشركاء الأجانب على مراجعة شاملة للحقول القديمة والآبار المتراجعة الإنتاج، بهدف تحديد الاحتياطيات التي لا تزال قابلة للاستخراج بصورة اقتصادية، وتوجيه الاستثمارات نحو المناطق الأسرع تحقيقاً للعائد، ضمن برنامج تطوير تقارب استثماراته 4 مليارات دولار تمولها شركات النفط العالمية العاملة في البلاد.
من البحث عن النفط إلى استعادة النفط
البرنامج الجديد لا يقوم على إعادة تشغيل جميع الآبار القديمة، بل يعتمد على إعادة تقييم علمي وفني لكل حقل على حدة.
ويشمل التقييم دراسة حالة المكامن وضغط الخزانات ومعدلات الإنتاج التاريخية وحجم المياه المصاحبة للخام وحالة الآبار والبنية التحتية، إضافة إلى تكلفة إنتاج البرميل مقارنة بالعائد المتوقع.
وبحسب المصدر، فإن معيار التطوير لن يكون عمر الحقل، وإنما حجم النفط القابل للاستخراج وجدواه الاقتصادية. فبعض الحقول التي كانت تُصنف سابقاً كأصول هامشية قد تعود اليوم إلى دائرة الإنتاج بفضل التطور التقني وانخفاض تكاليف الاستفادة من المنشآت القائمة.
الصحراء الغربية تتصدر المشهد
تستحوذ المناطق البرية على نحو 75% من برنامج إعادة الإحياء، في مقدمتها الصحراء الغربية التي تمثل القلب النابض لصناعة النفط المصرية.
وتشمل قائمة المناطق محل الدراسة حقول وامتيازات أبو سنان والعلمين وخالدة وقارون وعجيبة والواحة، حيث يجري تقييم كل حقل بصورة منفصلة لتحديد الآبار القابلة لإعادة التشغيل أو الحاجة إلى حفر آبار جديدة.
وتكتسب الصحراء الغربية أهمية خاصة كونها تنتج أكثر من 60% من النفط الخام المصري، إلى جانب نحو 18% من إنتاج الغاز الطبيعي. كما عززت نتائج أعمال المسح السيزمي الأخيرة التوقعات بوجود فرص إضافية لدعم الإنتاج في المنطقة خلال السنوات المقبلة.
خليج السويس.. عودة الحقول التاريخية
في المقابل، يحظى خليج السويس والصحراء الشرقية بحصة كبيرة من خطة التطوير، مستفيدين من امتلاكهما عدداً من أقدم الحقول المنتجة في البلاد، إلى جانب بنية تحتية قائمة تقلل تكلفة إعادة الإحياء.
وتضم قائمة المناطق المستهدفة حقول "سوكو" و"أوسوكو" ورأس بدران وخليج الزيت وشقير البحرية وجازورينا ورأس العش وإيست زيت وأشرفي ووادي السهل.
وترى الوزارة أن وجود المنصات البحرية وخطوط النقل ومنشآت المعالجة القائمة يمنح هذه الحقول فرصة للعودة إلى الإنتاج بوتيرة أسرع مقارنة بتطوير مناطق جديدة بالكامل.
ويبرز مشروع شركة "أديس" السعودية في حقلي "سوكو" و"أوسوكو" كنموذج عملي لهذا التوجه، إذ تستهدف الشركة رفع الإنتاج من نحو 7 آلاف برميل يومياً إلى 11 ألف برميل يومياً بحلول نهاية 2027، باستثمارات تبلغ 66 مليون دولار.
البحر المتوسط.. فرص أكثر انتقائية
يحصل البحر المتوسط على نحو ربع برنامج إعادة الإحياء، لكن طبيعة التطوير البحري تجعل قرارات الاستثمار أكثر حذراً.
فإعادة تشغيل الآبار البحرية أو حفر آبار جديدة تعتمد بصورة كبيرة على حجم الاحتياطيات القابلة للاستخراج مقارنة بتكلفة المنصات والخدمات البحرية، ما يجعل الأولوية للمشروعات القادرة على تحقيق عائد اقتصادي سريع عبر الاستفادة من التسهيلات القائمة.
كيف ستتم إعادة التطوير؟
تبدأ الخطة بإعادة تقييم بيانات المكامن والآبار باستخدام التسجيلات الجيوفيزيائية الحديثة وإعادة نمذجة الخزانات النفطية لتحديد المناطق التي لا تزال تحتوي على كميات قابلة للاستخراج.
وبعد ذلك، تنفذ الشركات برامج إصلاح وإعادة إكمال للآبار القديمة، إلى جانب حفر آبار جديدة أو آبار جانبية داخل المكامن الواعدة.
كما تشمل الخطة إعادة تأهيل معدات الإنتاج وخطوط التجميع ومحطات المعالجة، بما يسمح بخفض تكلفة التطوير مقارنة بإنشاء حقول جديدة من الصفر.
وسيكون الحقن بالمياه أحد الأدوات الرئيسية المستخدمة للحفاظ على ضغط المكامن ودفع الخام نحو الآبار المنتجة، إلى جانب تطبيق تقنيات الاستخلاص المعزز للنفط وفق طبيعة كل خزان.
وتعتمد الوزارة أيضاً على الحفر الأفقي وتقنيات التحفيز المتقدمة، فضلاً عن توظيف البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي لاختيار أفضل مواقع الحفر وتحسين أداء الآبار القائمة.
3 مسارات للتطوير
وفقاً للمصدر، يجري تصنيف الأصول النفطية المستهدفة إلى ثلاث فئات رئيسية:
آبار يمكن إعادة تشغيلها سريعاً.
آبار تحتاج إلى عمليات إصلاح وإعادة إكمال وتحفيز.
حقول تتطلب برامج تطوير متكاملة تشمل حفر آبار جديدة وتطبيق تقنيات الاستخلاص المعزز.
وتهدف هذه المقاربة إلى توجيه الإنفاق نحو المشروعات الأكثر قدرة على تحقيق إنتاج تجاري سريع.
تعمل حالياً في مصر 57 شركة للبحث والاستكشاف والإنتاج، بينها 8 من كبرى الشركات العالمية، إلى جانب أكثر من 12 شركة متخصصة في الخدمات البترولية والتكنولوجية.
هل يمكن تحقيق زيادة 30%؟
يرى نائب رئيس الهيئة المصرية العامة للبترول الأسبق مدحت يوسف أن الهدف واقعي، لكنه يختلف من حقل إلى آخر.
وأوضح أن بعض الحقول قد تحقق زيادات تتجاوز 30% إذا أثبتت الدراسات وجود طبقات إنتاجية غير مستغلة أو احتياطيات لم تُطوّر سابقاً، بينما قد تكون الزيادة أقل في حقول أخرى وصلت إلى مراحل متقدمة من الاستنزاف.
لكن الميزة الأبرز، بحسب يوسف، تتمثل في أن هذه الحقول تمتلك بالفعل جزءاً كبيراً من البنية التحتية اللازمة للإنتاج والمعالجة والنقل، ما يجعل العائد أسرع بكثير من تطوير اكتشاف جديد.
النفط الأرخص في مصر
في جوهرها، لا تستهدف الخطة المصرية اكتشاف حقول جديدة بقدر ما تسعى إلى إعادة اكتشاف الحقول القديمة نفسها.
فمع ارتفاع تكاليف الاستكشاف عالمياً وتنامي الحاجة إلى تعزيز الإمدادات المحلية، أصبح النفط الموجود بالفعل تحت الأرض أكثر جاذبية من البحث عن براميل جديدة. ومن هنا تراهن القاهرة على أن جزءاً مهماً من نمو إنتاجها خلال السنوات المقبلة سيأتي من آبار قديمة تعود إلى الحياة بتكنولوجيا جديدة واستثمارات أقل مخاطرة وأكثر سرعة في تحقيق العائد.