د. نبيه يكتب: "كل واحد ياخد باله من سيرفره"
الاعتماد الكامل على بنية تحتية سحابية وخوادم خارج الحدود الوطنية يمنح الدول المستضيفة (على رأسها الولايات المتحدة) نفوذاً سيبرانياً واستخباراتياً استثنائياً، يمكن توظيفه تكتيكياً واستراتيجياً لشل مفاصل الدولة المستهدفة أو إثارة الاضطرابات الداخلية. لعلى من خلال السطور التالية من خلال عدة أسئلة وأجوبة أتمكن من إلقاء الضوء على حقيقة مؤلمة غابت عنا جميعا، نتيجة الخلط بين "مواكبة العصر" وبين "التفريط في السيادة على البيانات"، فغالباً ما ينتج عن الإنبهار التسويقي الظاهرى ومواكبة العصر تكنولوجيا كأهداف للأسف، غياب الوعي عن التبعات الجيوسياسية والقانونية لاحقا، وهو ما تأكده الأحداث العالمية الحالية من تحكم قوى عظمى فى مجالات متعددة سواء مالية أو خدمية أو طاقة أو غيرها لدول أخرى.
السؤال: ما أنواع السيرفرات (الخوادم) وأماكن تواجدها؟
السيرفرات تعمل جميعها كأجهزة حوسبة مركزية لتلبية طلبات المستخدمين وتخزين البيانات وتُصنّف حسب الوظيفة التي تؤديها في الشبكة كالآتى:
أولاً: أبرز أنواع السيرفرات ووظائفها سيرفر الويب و سيرفر قواعد البيانات و سيرفر التطبيقات و سيرفر الأسماء و سيرفر البريد و سيرفر الملفات و سيرفرات التخزين المؤقت وتوصيل المحتوى وخوادم الذكاء الاصطناعي.
ثانياً: أين توجد هذه السيرفرات؟
تتوزع السيرفرات في ثلاثة أشكال رئيسية:
مراكز البيانات السحابية العملاقة (Hyperscale Cloud Data Centers): منشآت عملاقة (تمتلكها شركات مثل Amazon AWS، Microsoft Azure، Google Cloud) تقع في شمال فرجينيا وتكساس (أمريكا)، وغرب أوروبا (فرانكفورت، لندن، دبلن، أمستردام)، وشرق آسيا (سنغافورة، طوكيو)، ومؤخراً في مجمعات الخليج العربي (السعودية والإمارات).
غرف السيرفرات المحلية (On-Premises / Enterprise Data Centers): كبائن وخزائن سيرفرات موجودة فيزيائياً داخل مقرات البنوك، الوزارات، المستشفيات، والشركات الكبرى لإدارة بياناتها الداخلية دون الاعتماد على شبكات خارجية.
خوادم الحافة والمحيط (Edge / CDN Points of Presence): خوادم مدمجة وموزعة جغرافياً في محطات التقوية وأبراج الاتصالات ومراكز مشغلي المحمول المحلية (Telecom Operators) لتقريب الخدمة من المستخدم وتقليل زمن الاستجابة (Latency).
السؤال: كيف يمكن توظيف البيانات المتاحة فى السيرفرات ومنصات التواصل والذكاء الصناعى فى إختلاق الفوضى فى الدول الأخرى؟
البيانات المخزنة في السيرفرات الخارجية هي توصيف دقيق للمجتمع يُستخدم حاليا لإختلاق الفوضى (مثال حرب إيران كنموذج أولى تحت التطوير)، فالتحليل السلوكي والاجتماعي بدقة فائقة يتم من خلال رصد توجهات الشارع، ومعدلات الاستهلاك، ومواطن الغضب الشعبي، والأزمات الاقتصادية والتموينية عبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي. كما تستغل منصات التواصل والبيانات لتوجيه الشائعات، وافتعال الخلافات الطائفية مع بث مقاطع مزيفة فائقة الدقة في توقيتات حساسة، بهدف دفع الجماهير إلى الشارع، وشل قدرة الأجهزة الأمنية. لا يقتصر الأمر على إيران فنحن فى مصر نواجه ذلك أيضا بهدف تكرار محاولة إفتعال الفوضى الخلاقة لإعاقة دور المارد المصرى فى المنطقة، ودعم التغلغل الإسرائيلى لتكوين شرق أوسط جديد. للأسف يتم استخدام الذكاء الاصطناعي خارجيا لمحاكاة الأثر النفسي لأي قرار اقتصادي أو عسكري قبل اتخاذه، وتحديد "نقاط الانهيار الاجتماعي" فى دول العالم لتحفيز الفوضى في لحظة معينة. نحن جميعا نواجه خطر التعطيل السيبراني في أوقات النزاع، فقد نفاجأ بحجب الخدمات السحابية والنت فجأة، مما يؤدي إلى انهيار فوري في المعاملات اليومية للمواطنين، وتفشي الذعر كما يمكن اختراق شبكات البنية التحتية الحيوية وتعطيل الخدمة عن بعد (مثال: كهرباء وخطوط أنابيب طاقة ومحطات معالجة وضخ مياه وشل سلاسل الإمداد اللوجستي). عندما تكون البيانات على خوادم طرف ثالث خارجي، يفقد الفريق الوطني القدرة على مراقبة الجودة الفعلية؛ فما يُتاح للجهة المحلية هو مجرد "واجهة مستخدم" ومخرجات نهائية.
السؤال: ما دليلك على التخوف من تسخير بيانات الدول والذكاء الصناعى فى الحروب المستقبلية؟
خبر مشروع جديد تابع للبنتاجون يحمل اسم "مشروع ميريديان"، بهدف دراسة مستقبل الحروب وتحديد القدرات والتقنيات التي سيحتاج إليها الجيش الأمريكي خلال العقود المقبلة، وتشكيل لجنة ثلاثية تضم إيلون ماسك واثنين من أبرز قادة الذكاء الاصطناعي مثل سام ألتمان (الرئيس التنفيذي لـ Open AI) وديميس هاسابيس (رئيس Google DeepMind) لتنفيذ ذلك، وكانت محاور التكليف وتوزيع الأدوار كالتالى:
إيلون ماسك (الأنظمة غير المأهولة والتكامل الميداني): التركيز على تحويل الآلات المقاتلة إلى أسراب ذاتية القيادة بالكامل (سواء طائرات بدون طيار أو روبوتات شبيهة بالبشر مثل "أوبتيموس"). الاستفادة من بنية Starlink وxAI لتأمين شبكة اتصالات فضائية فائقة السرعة وعصية على التشويش، تتيح توجيه الأسلحة وإعادة تموضعها في أجزاء من الثانية.
سام ألتمان (القيادة الإدراكية واتخاذ القرار): تطوير نماذج تفكير عسكري عميق قادرة على معالجة ملايين البيانات الاستخباراتية في الوقت الفعلي. الهدف هو بناء "مساعد قيادة اصطناعي" يتنبأ بتحركات الخصم، ويقترح خططاً تكتيكية بديلة، ويدير الحرب السيبرانية والمعلوماتية تلقائياً وبدقة متناهية.
ديميس هاسابيس (المحاكاة والتفوق العلمي): استخدام تقنيات التعلم المعزز لحل المعضلات اللوجستية وتصميم محاكاة افتراضية شاملة لمسارح العمليات. تسخير قدرات الحوسبة المتقدمة لتطوير دروع ذكية، وفك الشيفرات المعقدة، وابتكار مواد عسكرية جديدة تصعب مراقبتها أو استهدافها.
نعم ملامح حروب الجيل القادم تحت قيادة الذكاء الاصطناعي ستكون حرب خوارزميات، حيث يتم رصد الهدف، والتحقق منه، وتحديد السلاح الأنسب للتعامل معه قبل أن يدرك العنصر البشري وجود تهديد بإستخدام المسيرات رخيصة التكلفة، كما ستشمل هجمات برمجية ذاتية التطور تستهدف البنية التحتية الحيوية للخصم، وشل قدرته العسكرية دون إطلاق رصاصة واحدة. نعم سيتم نزع الطابع الإنسانى فى ظل غياب مفتعل لمحكمة العدل الدولية وضعف كافة منظمات الأمم المتحدة بما فيها منظمة حماية البيئة العالمية، فالسائد سيكون قانون الغابة للأسف.
الخلاصة: حروب المستقبل تدار بالسرعة والبيانات: تحول الصراع العسكري (خاصة بين واشنطن وبكين) من صراع حجم الترسانة إلى صراع حوسبة وذكاء اصطناعي وأسراب ذاتية التنسيق لتقليص زمن اتخاذ القرار لثوانٍ معدودة. الاعتماد الكامل على بنية تحتية سحابية وخوادم خارج الحدود الوطنية يمنح الدولة المستضيفة (وعلى رأسها الولايات المتحدة) نفوذاً سيبرانياً واستخباراتياً استثنائياً يمكن توظيفه تكتيكياً واستراتيجياً لشل مفاصل الدولة المستهدفة أو إثارة الاضطرابات الداخلية فقانون السحابة (CLOUD Act) يمنح السلطات الأمريكية حق الوصول القانوني إلى البيانات المخزنة على خوادم هذه الشركات حتى لو كانت تلك الخوادم موجودة في دول أخرى، كما أن قوانين مراقبة الاستخبارات (FISA 702) تتيح لوكالات الأمن القومي مراقبة وجمع الاتصالات والبيانات الرقمية للأجانب غير الأمريكيين دون الحاجة لأوامر قضائية فردية مسبقة، مما يجعل البيانات الحكومية والمدنية المارة عبر هذه السحب مكشوفة بالكامل.
إقناع متخذي القرار فى الوزارات والجامعات والشركات والمواطنين بمخاطر الاندفاع غير المحسوب نحو السحب الخارجية لا ينجح بالتشكيك في "أهمية التكنولوجيا"، بل بمخاطبتهم بلغة إدارة المخاطر التشغيلية، والجدوى الاقتصادية، واستمرارية الأعمال؛ فالخلط بين "مواكبة العصر" وبين "التفريط في السيادة على البيانات" غالباً ما ينتج عن انبهار تسويقي وغياب الوعي بالتبعات الجيوسياسية والقانونية. نموذجى البرازيل والنرويج الناجحين يجب أن يحتذى بهما ياسادة. وأختتم بمقولة الإمام "الشافعي "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب". حفظ الله مصرنا من كل سوء.