محمد صلاح يكتب: "السيسي"يسأل.. والبترول والكهرباء أمام اختبار المصارحة
لم تكن جلسة "مسيرة الطاقة المصرية"بمنتدى مصر 2026 مجرد استعراض للإنجازات والأرقام، بل فتحت الباب أمام أسئلة مهمة تتعلق بتكلفة الطاقة، والتشابكات المالية بين البترول والكهرباء، ومدى انعكاس ما تعلنه الحكومة من استثمارات وخطط على حياة المواطن.
البداية جاءت مع سؤال الرئيس عبد الفتاح السيسي للمهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية: «مديونيتك كام؟»، لتأتي الإجابة ببلوغ المديونية نحو 1.6 تريليون جنيه حتى 30 يونيو 2026.
ثم انتقل الرئيس إلى الدكتور محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، مستفسرًا عما إذا كانت الكهرباء تسدد كامل قيمة الوقود الذي تحصل عليه من البترول، وجاءت الإجابة بالنفي.
لم تكن هذه الأسئلة مجرد استفسارات عن أرقام مالية، بل سلطت الضوء على جانب مهم من معادلة الطاقة المصرية؛ فالبترول يتحمل أعباء تدبير الوقود وتأمين احتياجات السوق، بينما يعتمد قطاع الكهرباء على إمدادات الوقود لتشغيل محطاته وتلبية الطلب المتزايد على التيار.
وهنا تبدأ القضية الحقيقية: كيف يمكن إدارة هذه الأعباء المتشابكة، وتقليل تكلفتها، وتحويل الاستثمارات إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن؟
في قطاع البترول، يواجه كريم بدوي تحديات تتعلق بزيادة الإنتاج المحلي، وتأمين احتياجات السوق، وجذب الاستثمارات اللازمة لتنمية الحقول. فكلما اتسعت الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك، زادت الضغوط المرتبطة بتدبير العملة الأجنبية وتوفير المنتجات البترولية، بما قد ينعكس على الموازنة وتكاليف النشاط الاقتصادي.
وفي المقابل، فإن زيادة الإنتاج المحلي وتحفيز الاستثمارات يمكن أن يسهما في تقليل هذه الضغوط مستقبلًا، وفقًا لما يتحقق فعليًا من مستهدفات الإنتاج والتنمية.
أما محمود عصمت، فقد استعرض أرقامًا وتفاصيل فنية تتعلق باستثمارات الكهرباء والطاقة المتجددة وتكاليف التخزين. وهي ملفات مهمة، لكن المواطن لا يقيس جدوى هذه الاستثمارات بحجمها فقط، بل بما تحققه من استقرار في الخدمة، وتحسين كفاءة الشبكة، وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي.
وهنا يبرز السؤال الأهم: إذا كانت الدولة تستثمر مليارات الجنيهات في قطاع الطاقة، فما العائد المتوقع من هذه الاستثمارات؟ ومتى تظهر نتائجها؟ وهل تسهم في تخفيف الأعباء عن الموازنة والاقتصاد، أم يظل أثرها بعيدًا عن المواطن؟
فالتوسع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح يمكن أن يقلل استهلاك الوقود المستخدم في التوليد، لكنه لا يعني بالضرورة انخفاض فاتورة الكهرباء بصورة فورية؛ إذ ترتبط التكلفة أيضًا باستثمارات الشبكات والتخزين والصيانة والتمويل.
ومن ثم، فإن المطلوب ليس الاكتفاء بعرض حجم الاستثمارات والقدرات الجديدة، بل توضيح الوفر المتوقع، والجدول الزمني لتحقيقه، ومدى انعكاسه على تكلفة إنتاج الكهرباء واستدامة الإمدادات.
وهل أخفق عصمت في توصيل رسالته؟ لا يمكن حسم ذلك من جلسة واحدة، لكن كثافة الأرقام والتفاصيل الفنية تجعل تبسيط الرسالة أكثر أهمية، حتى يفهم المواطن ما تحقق بالفعل، وما الذي لا يزال مطلوبًا، ومتى يمكن أن تظهر النتائج.
لقد أعادت الجلسة التأكيد على أن البترول والكهرباء ليسا ملفين منفصلين؛ فتأمين الوقود يرتبط بتكلفة إنتاج الكهرباء، والتوسع في الطاقة المتجددة يمكن أن يخفف الاعتماد على الوقود التقليدي، فيما تظل كفاءة الإدارة المالية والتشغيلية عنصرًا أساسيًا في تحسين أداء المنظومة بأكملها.
في النهاية، ليست قيمة الرقم في حجمه، وإنما في أثره. فالمواطن لا يحتاج إلى معرفة حجم المديونية أو الاستثمارات فقط، بل يريد أن يفهم كيف ستُدار هذه الأعباء، وما النتائج المنتظرة، وكيف يمكن أن تنعكس على تكلفة الطاقة واستقرار الخدمة والأسعار.
وهنا يبقى الاختبار الحقيقي أمام وزارتي البترول والكهرباء: الانتقال من عرض الأرقام إلى تقديم مؤشرات واضحة، ومواعيد محددة، ونتائج قابلة للقياس؛ لأن المواطن لا ينتظر مزيدًا من الأرقام بقدر ما ينتظر أن يعرف ماذا تعني هذه الأرقام لحياته اليومية.