محمد صلاح يكتب:-«الكهرباء»بين قرارات صارمة وهجرة الكفاءات
يشهد قطاع الكهرباء حالة غير مسبوقة من الارتباك الإداري، في ظل غياب رؤية واضحة للمستقبل، وتناقض الإشارات الصادرة للقيادات التنفيذية، ما خلق مناخًا يسوده الترقب والخوف أكثر من العمل والتطوير٠٠٠٠هذا الواقع انعكس سلبًا على الأداء العام، وعمّق أزمات كانت في الأصل قابلة للاحتواء.
ففي الوقت الذي تُطالب فيه القيادات بتحقيق نتائج استثنائية، صدرت قرارات عقابية حادة ومفاجئة طالت بعض القيادات الوسطى والتنفيذية، دون إعلان معايير واضحة أو شرح موضوعي للأسباب، الأمر الذي فُسِّر داخل القطاع باعتباره «قرارات بطش» أكثر منه نهجًا إصلاحيًا قائمًا على المحاسبة العادلة.
هذه القرارات، بدلًا من أن تُعيد الانضباط، أسهمت في شلل إداري واضح؛ قيادات تفضّل تجنّب اتخاذ القرار، ومسؤولون يكتفون بتسيير الأعمال خوفًا من المساءلة، لا رغبة في التطوير. وهو ما فتح الباب أمام تراجع الأداء في ملفات حساسة، على رأسها الصيانة، وخفض الفقد، وتحسين جودة الخدمة.
في هذا المناخ المشحون، تتسارع هجرة المهندسين والكفاءات الفنية، بعدما فقد كثيرون الثقة في الاستقرار الوظيفي، وشعروا بأن الاجتهاد لم يعد معيارًا للترقي أو الأمان الوظيفي. فنزيف العقول هذا لا يُهدد الحاضر فقط، بل يضرب في صميم مستقبل القطاع، الذي يعتمد بالأساس على الخبرات المتراكمة.
وعلى مستوى التشغيل، سجلت معدلات الفقد الفني والتجاري ارتفاعًا مقلقًا في عدد من الشركات، وسط تساؤلات عن كفاءة الإدارة، وجدوى الخطط المعلنة، ودور بعض رؤساء الشركات الذين أخفقوا في تحقيق أي اختراق حقيقي، بينما استمروا في مواقعهم دون تقييم صارم أو محاسبة علنية!!!!
إن الخلط بين الحزم والبطش يمثل أخطر ما يواجه منظومة الكهرباء اليوم؛ فالحزم يعني وضوح القواعد وتكافؤ الفرص والمساءلة العادلة، بينما البطش يولّد الخوف ويقتل المبادرة ويُفرغ المناصب من مضمونها.
وسط هذا المشهد المربك، تتجه الأنظار إلى وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، باعتباره صاحب القرار والقدرة على كسر حالة الترقب السائدة داخل القطاع.٠٠٠٠٠ ويتساءل العاملون والمراقبون: هل لدى الوزير رؤية مختلفة تضع حدًا لهذا الارتباك، وتُسرّع من تبني حلول جذرية بدلًا من المعالجات المؤقتة؟
الرهان الحقيقي لم يعد فقط على ضبط الأداء أو إصدار قرارات محاسبة، بل على الإعلان الواضح عن سياسات جديدة تعيد الثقة للعاملين، وفي مقدمتها حزم مزايا وظيفية عادلة، ومسارات ترقٍ شفافة، وضمانات للاستقرار المهني، بما يوقف نزيف الكفاءات ويعيد الاعتبار للمهندس والفني باعتبارهما عماد المنظومة.
فهل نشهد خلال الفترة المقبلة قرارات حاسمة تعالج جذور الأزمة، وتعيد ترتيب الأولويات، وتفصل بوضوح بين المحاسبة العادلة والبطش الإداري؟ أم تستمر حالة الانتظار بما تحمله من تكلفة باهظة على القطاع والعاملين والمواطن معًا؟
الإجابة المنتظرة لا تحتاج إلى تصريحات،
بل إلى قرارات واضحة… تُنفَّذ على الأرض
وأخيراً إصلاح قطاع الكهرباء لن يتحقق بقرارات مفاجئة أو رسائل مبهمة، بل يحتاج إلى:
• رؤية استراتيجية معلنة
• معايير محاسبة شفافة
• تمكين الكفاءات لا إخافتها
• ربط بقاء القيادات بالنتائج لا بالولاء
فقطاع بهذه الحساسية لا يُدار بالخوف،
بل بالعدالة… والكفاءة… والقرار الواضح!!!