محمد صلاح يكتب:-"حين يسقط القناع وتتكفل الأيام بفرز العلاقات"
في لحظات التحوّل، لا تكشفنا الظروف بقدر ما تكشف النفوس. هناك من يثبت عند الأزمات، وهناك من يفضحه الزمن ومن هنا يبرز مصطلح "قلة الأصل"فهو ليس مجرد كلمة بل واحدة من أقسى الصفات الإنسانية، تكشف ضعف المبدأ وهشاشة القيم.
قلة الأصل لا تعني فقط نكران الجميل، بل تتجاوز ذلك إلى الخيانة، والتخلي عن القيم عند أول اختبار، والانحناء وراء المصالح على حساب العِشرة والوفاء والكرامة.
هذا النمط من البشر يرى في العلاقات مجرد مصالح عابرة، وفي المواقف اختبارًا لمصلحته الشخصية، لا لحقيقة الالتزام أو الوفاء.
وهنا تأتي حتمية فرز العلاقات فالزمن كفيل بوضع كل شخص في مكانه الحقيقي مع الأخذ في الاعتبار من صعد على غير توقّع، ومن هبط على نحو لم يكن في الحسبان، ومن ظل ثابتًا. هذا الفرز ليس قسوة، بل نجاة؛ نجاة من زيف المشاعر، ومن صداقات المصالح، ومن الأشخاص الذين لا يحسنون الظهور إلا وقت الحاجة.
وأصعب ما في التجربة أن قلة الأصل غالبًا تأتي من أقرب الناس. الجيران، الزملاء، الأصدقاء، وحتى الأحباب، قد يكشفون معدنهم في لحظة ضعف أو خروجك من دائرة القوة. لكن، رغم الألم، تحمل هذه التجارب درسًا بالغ الأهمية: لا تُعطِ أكثر مما يحتمل الطرف الآخر، ولا تراهن على من لا أصل له، فالأصل الطيب لا يسقط مهما اشتدت الظروف.
ولعل ما دفعني لكتابة هذا المقال هو بوست صادق وعميق للدكتور أمجد الوكيل، رئيس هيئة المحطات النووية السابق، الذي كتب منشور عبر على صفحته الشخصية:-
“من الجميل أنه بعد انتهاء فترة رئاستي لهيئة المحطات النووية على خير – والحمد لله – بدأت مرحلة طبيعية من فرز العلاقات المحيطة بي. فصعد البعض على غير توقعي، وهبط البعض على توقعي وغير توقعي، وظل البعض كما توقعت تمامًا…”
هذه الكلمات، رغم بساطتها، تلخص تجربة إنسانية وإدارية عميقة: السلطة والمكانة ليست مقياسًا للأصدقاء، والثبات في زمن التغيير هو أثمن ما يملكه الإنسان.
من تبدلت مواقفه بمجرد تغيير ميزان القوة، ومن اختار السلامة الزائفة على حساب الحقيقة، ومن خضع حيث كان يجب أن يقف، وسكت حيث كان ينبغي أن يتكلم… هؤلاء يكشفهم الزمن دون عناء.
ما بين انعدام المبادئ والخنوع، تضيع ملامح كثيرين. وما بين الصعود والهبوط والثبات، تتضح قيمة الناس: من كان قريبًا منك لشخصك، ومن اقترب طمعًا في موقعك، ومن صمت احترامًا، ومن انقلب جحودًا. هنا تتكشف حقيقة كل علاقة، ويصبح الفرز ضرورة لا مفر منها.
في النهاية، لا تحزن على من ابتعد، ولا تندهش ممن انكشف. الأيام لا تخون، لكنها تكشف: من لا أصل له، لا يثبت؛ ومن لا مبدأ له، يتلوّن؛ ومن يخنع، يختفي عند أول مواجهة. ويبقى الأصل الطيب، والموقف الثابت، والعلاقات التي نجحت في اختبار الزمن… وحدها تستحق البقاء.
الصفاء الحقيقي لا يأتي بكثرة العلاقات، بل بنقائها، ولا قيمة للوفاء مع من يبيع المبادئ عند أول اختبار. وفي عالم سريع التحولات، حيث تتبدل المواقف والوجوه، يبقى المعيار الحقيقي للأشخاص هو الثبات، والوفاء، والأصل الذي لا ينكسر"٠٠