تقييمات لا تعكس الواقع.. وسوء اختيارات أفرغت الصفين الثاني والثالث
رؤية تحليلية.. أزمة القيادة في شركات توزيع الكهرباء
لم تعد مشكلات شركات توزيع الكهرباء مرتبطة فقط بتهالك الشبكات أو زيادة الأحمال، بل بات الخلل الأعمق كامنًا في منظومة القيادة والتقييم، حيث تكشف المتابعة الميدانية عن فجوة خطيرة بين ما يُكتب في تقارير الأداء، وما يحدث فعليًا في الشارع، وهي فجوة كان ثمنها إضعاف الصفين الثاني والثالث داخل الشركات.
⸻
أولًا: فلسفة التقييم… الخلل من المنبع
تعتمد تقييمات رؤساء شركات توزيع الكهرباء، نظريًا، على مؤشرات أداء واضحة، لكن التطبيق العملي أفرغ هذه المؤشرات من مضمونها، وتحولت عملية التقييم إلى:
• إجراء روتيني محكوم بالمجاملات.
• قراءة لتقارير مكتبية لا تعكس الواقع التشغيلي.
• تجاهل لمؤشرات حاسمة مثل سرعة الاستجابة، وبناء القيادات، وإدارة الأزمات.
النتيجة أن شركات تعاني شكاوى مزمنة وأزمات متكررة، بينما تُصنف إداريًا ضمن «الناجحين».
⸻
ثانيًا: الاختيار الآمن بدل الاختيار الكفء
في شركات التوزيع، حيث الإدارة الميدانية عنصر حاسم، كان يُفترض أن تُصعّد القيادات صاحبة الخبرة الفنية والاحتكاك المباشر بالجمهور. لكن ما حدث في كثير من الحالات هو العكس تمامًا:
• تفضيل عناصر «غير صدامية» على حساب الكفاءة.
• تصعيد شخصيات تفتقر للخبرة الميدانية.
• استبعاد قيادات قادرة على اتخاذ القرار خشية إرباك المشهد الإداري.
هذا النهج خلق قيادات عليا مرتاحة إداريًا، لكنه أضعف المنظومة بالكامل.
⸻
ثالثًا: الصف الثاني… حضور شكلي وغياب فعلي
يُعد الصف الثاني العمود الفقري لأي شركة توزيع، لكنه في الواقع بات:
• بلا صلاحيات حقيقية.
• مقيدًا بتعليمات مركزية خانقة.
• محاسبًا على الأخطاء دون امتلاك أدوات القرار.
ويظهر هذا الضعف بوضوح عند الطوارئ، حيث تتعطل سلسلة القرار، ويتحول رئيس الشركة إلى مدير تشغيل يومي بدلًا من قائد استراتيجي.
⸻
رابعًا: الصف الثالث… طاقات مُهدرة
الصف الثالث، الذي يفترض أن يمثل مستقبل شركات التوزيع، جرى التعامل معه باعتباره عبئًا لا استثمارًا:
• برامج تدريب شكلية.
• غياب مسار واضح للترقي.
• إبعاد متعمد عن مواقع التأثير.
وبمرور الوقت، يؤدي هذا النهج إلى نزيف بطيء للكفاءات، وفقدان القدرة على تجديد الدماء.
⸻
خامسًا: الانعكاسات على الخدمة العامة
ضعف الصفين الثاني والثالث لم يبقَ شأنًا داخليًا، بل انعكس مباشرة على:
• تزايد شكاوى المشتركين.
• ضعف التواصل مع المواطن وقت الأزمات.
• قرارات متأخرة في التعامل مع الأعطال.
• غياب الحلول الجذرية وتكرار المشكلات نفسها.
وهنا يدفع المواطن ثمن سوء الإدارة، لا ضعف الإمكانيات.
⸻
سادسًا: لماذا يتكرر الفشل؟
السبب الجوهري لا يكمن في نقص الكفاءات، بل في الخوف من صناعة بديل.
بعض القيادات تنظر إلى الصف الثاني والثالث باعتبارهما تهديدًا محتملًا، لا رصيدًا استراتيجيًا، فتُفضل:
• الاحتفاظ بالقرار.
• تحجيم الكفاءات.
• إضعاف الجميع لضمان البقاء.
وهي معادلة قصيرة النظر، لكنها مدمرة على المدى المتوسط.
⸻
سابعًا: مسار الإصلاح… من التقييم إلى التمكين
الإصلاح الحقيقي يبدأ بـ:
1. إعادة هيكلة منظومة تقييم رؤساء شركات التوزيع وربطها بنتائج قابلة للقياس ميدانيًا.
2. إدراج بناء الصفين الثاني والثالث كعنصر أساسي في التقييم.
3. تمكين القيادات الوسطى بصلاحيات واضحة ومحاسبة حقيقية.
4. الاستثمار الجاد في التدريب والتأهيل وربطهما بمسار وظيفي عادل.
⸻
الخلاصة
شركات توزيع الكهرباء لا تعاني أزمة شبكات بقدر ما تعاني أزمة اختيارات وتقييمات.
ومادامت التقييمات تُمنح بمعزل عن الواقع، والقيادات تُختار وفق معايير الأمان لا الكفاءة، سيظل الصفان الثاني والثالث الحلقة الأضعف، وستظل الخدمة في دائرة الشكوى.
القيادة لا تُقاس بعدد سنوات البقاء في المنصب، بل بعدد القادة الذين تُخرجهم إلى الصفوف التالية