د. محمد سليم يكتب: صناعة الخلايا الشمسية والبطاريات.. من استيراد المعدات إلى امتلاك التكنولوجيا
أصبحت الطاقة المتجددة في مصر اليوم ملفًا سياديًا بامتياز، لا ينحصر في كونه خيارًا بيئيًا أو توجهًا عالميًا، بل يرتبط مباشرةً بـ أمن الطاقة واستقرار الشبكة، وخفض الاعتماد على الوقود، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، ومع التركيز على المستهدف إلى رقم واضح وملزم—42% من الكهرباء المستهلكة بحلول عام 2030— اصبح السؤال المطروح هل نستطيع، وكم التكلفة ؟ وأصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: هل سنمتلك هذه الصناعة ؟ وهل يمكننا قيادة تطويرها؟
والحقيقة أن هذا المستهدف لم يعد مجرد خطة طويلة الأجل، بل أصبح تحديًا زمنيًا وتنفيذيًا يطرق الباب بقوة، إذ لم يتبقَّ على عام 2030 سوى أربع سنوات فقط، ما يعني أن المرحلة المقبلة تتطلب آليات جديدة وغير تقليدية في التنفيذ والتمويل وسلاسل الإمداد حيث ان النسبة الحالية في حدود ال 14 % بعد كل الإضافات الحديثة، وتستلزم استثمارات بمليارات الدولارات في التوليد والتخزين والشبكات والبنية الصناعية الداعمة.
إن التوسع الكبير في الطاقة المتجددة دون توطين الصناعة قد ينقلنا من الاعتماد على استيراد الوقود إلى شكل جديد من الاعتماد، وهو الاعتماد على استيراد المعدات ، بما يحمله ذلك من ضغوط على العملة الصعبة، وتكاليف توريد وتأخير تنفيذ، وضياع فرص حقيقية لتشغيل المصانع والعمالة الوطنية وبناء قيمة مضافة محلية.
ومن هنا، يصبح التصنيع المحلي ليس رفاهية ولا خيارًا إضافيًا، بل الرافعة الأساسية لتحقيق المستهدف بسرعة وكفاءة واستدامة ، ليس فقط في الألواح الشمسية والبطاريات، بل أيضًا في محاور واعدة مثل الطاقة الحرارية الشمسية (Solar Thermal / CSP) التي تفتح آفاقًا لتوليد الطاقة بصورة أكثر استقرارًا على مدار اليوم وعلى مدار العام، بما يدعم مرونة الشبكة ويعزز الاعتماد على مصادر محلية متجددة بأعلى كفاءة ممكنة.
42% طاقة نظيفة بحلول 2030… تعني توسعًا هائلًا
في ظل معدل نمو أحمال سنوي يقترب من 6%، فإن تحقيق نسبة 42% طاقة متجددة يستلزم توسعًا ضخمًا في القدرات المركبة من الشمس والرياح، وتقديرات التنفيذ تشير إلى أننا بحاجة لتركيب طاقة متجددة في حدود 80 جيجاوات خلال الأربع سنوات المقبلة، وكذلك القدرات الإضافية اللازمة لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء المطلوبة لإنتاج الهيدروجين منخفض الكربون ومشتقاته، باعتبارها أحد أعمدة الاقتصاد العالمي القادم.
وهنا يتضح أن الأمر لم يعد متعلقًا بمحطات توليد كبيرة فقط، بل بمنظومة وطنية متكاملة تشمل: توليد مركزي على الشبكة، توليد متناثر على المصانع والمباني، تخزين للطاقة لتعويض تذبذب الإنتاج، مجمعات سكنية وصناعية ذكية قادرة على الإدارة والتحكم.
مشاركات مبكرة… عندما كان التخزين وإنترنت الأشياء “فكرة”
ومن واقع خبرتي واهتمامي المبكر بهذا الاتجاه، كان لي شرف المشاركة ضمن مبادرة الحزام والطريق في شنغهاي الصين عامي 2017 و2018، حيث تناولت في العام الأول أهمية تخزين الطاقة ودوره في تعظيم الاستفادة من الطاقة المتجددة ودعم استقرار الشبكات، بينما تناولت في العام الثاني إنترنت الأشياء (IoT) باعتباره العصب الحقيقي لتطبيقات الشبكات الذكية والميني جريد والتحكم في الأحمال وتحسين إدارة الطاقة.
واليوم، وبعد سنوات قليلة، نجد أن نفس المحاور أصبحت هي القاعدة الأساسية للتحول الطاقي عالميًا، وأنها لم تعد أفكارًا نظرية بل أدوات تنفيذ تُبنى عليها سياسات الطاقة الحديثة.
القيمة الحقيقية في المنظومات المتكاملة
عندما نتحدث عن توطين صناعة الطاقة الشمسية، يظن البعض أننا نتحدث فقط عن “الألواح الشمسية”، بينما الحقيقة أن الطاقة الشمسية هي سلسلة صناعية متعددة الطبقات، تشمل:
أولاً: الخلايا الشمسية والألواح (PV Cells & Modules)
وهنا جوهر التكنولوجيا: كفاءة التحويل، جودة المواد، خطوط الإنتاج، واعتمادية التشغيل لعقود طويلة.
ثانيًا: الهياكل المعدنية (Structures / Mounting)
وهى صناعة هندسية محلية وتحتاج ربما لبعض التحديثات ومتاحة أيضا في دول الجوار بتصميمات لمقاومة الرياح ، الأحمال والتآكل، والجلفنة ومعايير الحماية الكاثودية، وبناء على المتاح في السوق المحلى من مصانع يمكن لمصر أن تتفوق سريعًا.
ثالثًا: الانفرترات (Inverters)
الانفرتر هو عقل المنظومة، وهو المسؤول عن: كفاءة تحويل الطاقة، جودة القدرة (Power Quality)، التحكم في الجهد والتردد، التوافق مع الشبكة ومتطلبات الحماية والوقاية، وتوطينه يعني امتلاك عنصر اساسى من عناصر التحكم في منظومة الكهرباء الحديثة.
رابعًا: الكابلات ووصلات التيار المستمر والمتردد
الكابلات متوفرة صناعة محلية وقابلة للتوسع لتقليل الفقد ورفع الاعتمادية ومقاومة الحرارة وأشعة الشمس والأتربة
سواء في كابلات DC أو AC داخل المحطة.
خامسًا: منظومات الحماية والفصل وتشمل الفيوزات، والقواطع، واقيات الصواعق (SPD)، وعلب التجميع (Combiner Boxes) وهي مكونات تمثل أساس السلامة التشغيلية، وهى متوفرة محليا ويمكن تحديثها طبقا للمواصفات العالمية .
البطاريات… الجسر بين الطاقة المتجددة واستقرار الشبكة
لا يمكن الحديث عن توسع كبير في الطاقة الشمسية والرياح دون توسع مماثل في التخزين، لأن التحدي الحقيقي ليس فقط في إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة، بل في القدرة على توفيرها عند الحاجة وخاصة في الذروة المسائية وتقلبات الأحمال.
ولهذا أصبحت منظومات Battery Energy Storage Systems (BESS) ضرورة حتمية لدعم التردد والجهد، وتغطية أحمال الذروة، وتقليل الفصل والانقطاعات، استيعاب الطاقة المتجددة بدلاً من إهدارها، واستقرار الشبكة.
توطين صناعة البطاريات… ليس “تجميعًا” بل سلسلة تكنولوجية
توطين البطاريات يشمل منظومة متكاملة من خلايا البطاريات (Cells) وحدات البطارية (Modules)، الرفوف والكونتينرات (Racks / Containers)، وأنظمة إدارة البطارية (BMS)، وأنظمة تحويل القدرة (PCS)، وأنظمة التبريد والسلامة ومكافحة الحريق، وبرامج إدارة الطاقة والتحكم (EMS)، وهذه الصناعات منها المتوفر بالسوق المحلى الوطنى والجزء الاخر يتم الاستثمار في توفيره وبنسب مكون محلي متزايدة وفق خطة واضحة.
البحث والتطوير… شرط البقاء وليس رفاهية
الصناعة لا تتوقف عند مرحلة تصنيع تقليدي، فالعالم يتقدم سريعًا نحو ألواح أعلى كفاءة وبالتالي أقل مساحة لنفس القدرة وتحسينات في الاعتمادية والعمر التشغيلي وبطاريات أكثر كثافة للطاقة وأسرع استجابة وتقنيات إعادة التدوير وتقليل البصمة الكربونية، ولهذا فإن البحث والتطوير (R&D) يمثل الضمان الوحيد لتحويل الصناعة من مجرد خطوط إنتاج إلى قدرة تنافسية وضمان الاستمرارية .
التطبيقات المستقبلية… أكبر من محطة شمسية
توطين الصناعة لا يخدم فقط المشروعات الكبرى، بل يفتح أبوابًا واسعة لتطبيقات متنوعة مثل الطاقة الشمسية فوق الأسطح للمنازل والمنشآت والري والزراعة وضخ المياه وشحن المركبات الكهربائية وميني جريد للمناطق النائية ومجمعات سكنية وصناعية ذكية وغير ذلك لخدمة المجال.
الشراكة الاستراتيجية مع الصين… ومصر بوابة إفريقيا
وفي هذا السياق، فإن الشراكة الاستراتيجية مع الصين لا تعني فقط الاستثمار في الصناعة، بل تعني أيضًا فتح آفاق التصدير والمنافسة الإقليمية، لأن مصر مؤهلة بطبيعتها لتكون منصة تصنيع ومركز لوجستي وبوابة تصدير إلى إفريقيا.
وإذا نجحت مصر في بناء قاعدة صناعية قوية بمعايير عالمية، فإنها تستطيع أن تتحول إلى حلقة وصل بين التكنولوجيا الصينية وبين الطلب الإفريقي المتزايد، بما يحقق مكاسب استراتيجية لمصر: توطين الصناعة داخليًا، وتعظيم الصادرات، وتعزيز الدور الإقليمي المصري في قيادة التحول الطاقي.
مستقبل الطاقة يبدأ من المصنع… ومن البحث والتطوير
نحن أمام فرصة تاريخية حقيقية ، إن توطين صناعة الخلايا الشمسية ومشتملاتها، إلى جانب توطين صناعة البطاريات ومستلزماتها، ليس مجرد مشروع صناعي… بل هو مشروع سيادة اقتصادية يتماشى مع الاستراتيجية الوطنية ورؤية مصر 2030 وما تدعو له القيادة السياسية ياستمرار.
د. م. محمد سليم سالمان استشارى الطاقة والاستدامة ، القاهرة في 17/1/2026