محمد سليم سالمان يكتب: عقود شراء الغاز طويلة الأمد بين النص القانوني والواقع الجيوسياسي
من الترتيبات القدرية أن يتزامن تقديمنا، الأسبوع الماضي، لبرنامج تدريبي متخصص حول عقود شراء الطاقة طويلة الأمد وإدارة المخاطر في التجارة عبر الحدود مع ما تناولته وسائل الإعلام مؤخرًا بشأن توقف أو تقليص إمدادات الغاز عبر الحدود من آبار شرق المتوسط إلى مصر.
خلال هذا البرنامج، شددنا بوضوح على أن عقود الطاقة في منطقة شرق المتوسط لا يمكن صياغتها بذات المنهج التقليدي المستخدم في الأسواق المستقرة سياسيًا، وأن بند القوة القاهرة والمخاطر الجيوسياسية يجب أن يُعالجا بصياغة دقيقة تعكس طبيعة الإقليم، لا باعتبارهما احتمالات نظرية بعيدة.
إن ما أثير إعلاميًا حول انقطاع الإمدادات أعاد هذا الملف إلى الواجهة، وطرح تساؤلات مهنية مشروعة حول كيفية توزيع المخاطر التعاقدية بين الأطراف، ومدى كفاية الضمانات الموضوعة في مثل هذه الاتفاقيات، خاصة عندما تكون احتمالات التوتر السياسي أو الأمني قائمة ومعلومة وقت التعاقد.
لقد أكدنا في الدورة أن التجارة العابرة للحدود في مجال الطاقة ليست مجرد معادلة سعر وكميات، بل هي مزيج معقد من الاعتبارات القانونية والمالية والسياسية والاستراتيجية، وأن نجاح العقد لا يُقاس فقط بسعر التوريد، بل بمدى توازن الالتزامات، ووضوح آليات التعويض، وكفاءة إدارة المخاطر عند وقوع أحداث استثنائية.
وفي ضوء التطورات الأخيرة، يصبح من الضروري إعادة قراءة الاشتراطات التعاقدية في عقود شراء الطاقة طويلة الأمد، وتحليل كيفية التعامل مع مخاطر الانقطاع، وما يترتب عليها من آثار اقتصادية، خاصة عند اللجوء إلى السوق الفوري بأسعار أعلى.
من هنا تأتي أهمية هذا المقال، ليس من باب التعليق السياسي، بل من منظور مهني بحت، يستند إلى خبرة عملية في عقود الطاقة، ويهدف إلى تسليط الضوء على الدروس المستفادة في إدارة المخاطر التعاقدية في بيئة إقليمية شديدة الحساسية
أولاً: بند القوة القاهرة… هل يُصاغ نظريًا أم واقعيًا؟
من المتوقع – بل من الواجب – على المفاوض المصري في مثل هذا العقد أن يتعامل مع “الحرب أو النزاع المسلح في المنطقة” كاحتمال مرتفع (High Probability Risk)، وليس كاحتمال استثنائي بعيد.
المنطقة جيوسياسيًا على صفيح ساخن منذ سنوات، وبالتالي لا يجوز أن يُدرج بند القوة القاهرة بصيغة عامة تعفي المورد تلقائيًا من الالتزام دون ضوابط.
الصياغة الاحترافية في مثل هذه الحالات يجب أن تتضمن:
تحديدًا دقيقًا لنطاق القوة القاهرة بحيث لا تشمل كل أشكال التوتر السياسي تلقائيًا.
اشتراط أن يكون الحدث خارج السيطرة الفعلية للمورد وليس نتيجة قرار سيادي قابل للتوقع.
إلزام المورد ببذل “أفضل الجهود المعقولة تجاريًا” لاستمرار التوريد.
وضع سقف زمني لتعليق الالتزامات.
منح المشتري حق اللجوء إلى بدائل دون الإخلال بباقي التزامات العقد. (على سبيل المثال : شراء كميات بديلة من السوق الدولية عند إخلال المورد بالتوريد، وتحميل المورد فرق السعر (إن وجد)) أي أن المشتري لا يظل معلقًا في انتظار عودة الإمداد، بل يتحرك فورًا لحماية أمنه الطاقي.
القوة القاهرة لا يجب أن تتحول إلى “مظلة إعفاء مفتوحة”، خاصة عندما تكون المخاطر الجيوسياسية متوقعة ومعلومة وقت التعاقد.
ثانيًا: الاعتماد على مصدر محفوف بالمخاطر دون ضمانات تعاقدية صارمة
يرتبط توريد الغاز إلى مصر بحقول مثل Leviathan وTamar عبر شبكة شرق المتوسط.
إذا كان قطاع البترول قد اعتمد على هذا المصدر كجزء أساسي من مزيج الإمدادات، وهو قرار مفهوم اقتصاديًا في فترات الاستقرار، فإن ذلك يفرض بالمقابل:
تضمين اشتراطات جزائية واضحة في حالة عدم التوريد.
آلية تعويض مالي في حال الإخلال غير المبرر.
ربط جزء من المدفوعات بالأداء الفعلي للتوريد.
عندما تكون نسبة احتمال المخاطر مرتفعة نسبيًا، فإن ترك العقد دون عقوبات رادعة أو آلية تعويض واضحة ينقل عبء المخاطر بالكامل إلى الدولة المستوردة.
في العقود الاحترافية، لا يكفي بند “Take or Pay” لصالح المورد، بل يجب أن يقابله “Supply or Pay” أو ما يعادله لضمان التوازن.
ثالثًا: اللجوء إلى السوق الفوري… التكلفة الحقيقية
عند توقف الإمدادات طويلة الأجل، لا يبقى أمام الدولة سوى السوق الفوري (Spot Market)، والذي يتسم بـ:
تقلبات سعرية حادة.
أسعار أعلى في أوقات الأزمات.
منافسة عالمية على الشحنات الفورية.
الشراء من السوق الفوري بأسعار مرتفعة يعني:
زيادة فاتورة الاستيراد.
زيادة الطلب على العملة الأجنبية.
ارتفاع تكلفة إنتاج الكهرباء.
انعكاس محتمل على الدعم أو التعريفة.
وهنا تظهر الفجوة بين “الإعفاء القانوني” و ”الأثر الاقتصادي”.
فاذا كان المورد معفيًا تعاقديًا بسبب القوة القاهرة، فإن الخزانة العامة تتحمل التكلفة الفعلية.
رابعًا: الدرس التفاوضي والاستراتيجي
من واقع الخبرة في صياغة وتحليل عقود الطاقة، هناك ثلاث قواعد لا يجوز تجاهلها:
1. المخاطر المتوقعة لا تُعامل كقوة قاهرة مطلقة
إذا كانت الحرب أو التوتر في المنطقة احتمالًا قائمًا وقت التعاقد، فيجب أن تُصاغ بنود خاصة بها.
2. توازن الالتزامات شرط للاستدامة
كما يُلزم المشتري بسداد حد أدنى من الكميات، يجب أن يُلزم المورد بضمان حد أدنى من التوريد أو دفع تعويض.
3. أمن الطاقة لا يُبنى على عقد واحد
بل على:
تنويع مصادر الإمداد.
زيادة الإنتاج المحلي.
التوسع في الطاقة المتجددة.
مرونة تعاقدية عالية.
خامسًا: لماذا ناقشنا هذا تحديدًا في الدورة التدريبية الأخيرة؟
في الدورة التي قدمناها منذ أقل من أسبوع، شددنا على أن شرق المتوسط منطقة ذات طبيعة خاصة من حيث التوترات السياسية، وأن إدارة المخاطر الجيوسياسية يجب أن تدخل ضمن نموذج التقييم المالي للعقد.
وأكدنا أن:
التسعير وحده لا يصنع عقدًا جيدًا… بل توزيع المخاطر هو جوهر الاحتراف.
وما يحدث اليوم يثبت أن بند القوة القاهرة ليس مجرد فقرة قانونية، بل عنصر مؤثر في الأمن القومي والاقتصادي.
في النهاية لا أحد يختلف على أهمية التعاون الإقليمي في مجال الطاقة، لكن:
العقود طويلة الأمد يجب أن تُبنى على قراءة دقيقة للمخاطر.
الإعفاء المطلق في حالات متوقعة يُضعف المركز التفاوضي.
الاعتماد على مصدر عالي المخاطر دون ضمانات تعاقدية صارمة يحمل تكلفة مؤجلة.
السوق الفوري ليس حلًا مستدامًا، بل حل اضطراري مكلف.
والرسالة المهنية الأهم:
إدارة المخاطر ليست تشاؤمًا… بل مسؤولية تفاوضية واستراتيجية
د.م. محمد سليم سالمان
استشارى الطاقة والاستدامة