محمد صلاح يكتب:-العدادات الكودية..من المسؤول؟
خلال الفترة الأخيرة، تحولت أزمة آلية تسعير الشريحة الموحدة للعدادات الكودية مسبقة الدفع إلى واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل بين المواطنين ووزارة الكهرباء والطاقة المتجددة، خاصة مع تزايد الشكاوى المتعلقة بنفاد الرصيد بصورة مفاجئة، واتهامات متكررة بالتلاعب في أرصدة العدادات من قبل بعض المواطنين عبر منشورات او فيديوهات علي مواقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، مقابل تأكيدات رسمية من الوزارة والقابضة للكهرباء تؤكد أن منظومة العدادات الذكية ومسبقة الدفع تعمل وفق معايير محاسبية فنية دقيقة وتخضع لرقابة مستمرة.
ومع تصاعد الجدل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بات السؤال الأكثر إلحاحًا: من المسؤول عن تفاقم الأزمة؟ وهل المشكلة في التكنولوجيا نفسها أم في سوء الاستخدام وغياب الوعي الكافي لدى بعض المشتركين؟
بالطبع لا يمكن تجاهل حالة القلق التي تنتاب العديد من المواطنين عند ملاحظة سرعة نفاد رصيد العداد، خاصة خلال فصل الصيف الذي يشهد ارتفاعًا كبيرًا في معدلات استهلاك الكهرباء نتيجة الاستخدام المكثف لأجهزة التكييف والتبريد ، ما جعل بعض المشتركين يشعرون أن هناك خللًا في منظومة المحاسبة، خصوصًا عندما لا تتوافق توقعاتهم للاستهلاك مع الرصيد المتبقي، ما يدفع البعض إلى توجيه اتهامات مباشرة لشركات الكهرباء دون الرجوع إلى الفحص الفني أو مراجعة بيانات الاستهلاك الفعلية.
كما ساهمت الشائعات المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي في زيادة حالة الاحتقان، من خلال تداول معلومات غير دقيقة حول خصومات أو رسوم خفية يتم تحميلها على العدادات مسبقة الدفع مما يتطلب من الوزارة وشركات التوزيع الرد والتوضيح بمنتهي الشفافية وفتح الأبواب للرد علي اي تساؤلات او استفسارات او شكاوى متعلقة بهذا الموضوع الذي اصبح كابوس يطارد غالبية المواطنين ٠٠
وبمنتهي الشفافية والوضوح فإن جزءًا من الأزمة الحالية يرجع إلى حملات تشويه ممنهجة أو معلومات مغلوطة يتم تداولها دون الاستناد إلى حقائق فنية، وهو ما يؤدي إلى فقدان الثقة في المنظومة ويزيد من حالة الجدل المجتمعي علي الرغم ان البيانات الرسمية الصادرة من الوزارة تؤكد أن مراكز خدمة المواطنين تستقبل آلاف الشكاوى سنويًا، ويتم فحصها فنيًا، وتثبت نسبة كبيرة منها سلامة العداد وعدم وجود أخطاء في المحاسبة، بينما تكون أسباب الشكوى مرتبطة بارتفاع معدلات الاستهلاك أو عدم إدراك المشترك لطبيعة الشرائح والرسوم المطبقة.
في المقابل، تواجه شركات توزيع الكهرباء حاليا تحديًا لا يقل خطورة يتمثل في تزايد حالات سرقة التيار الكهربائي والتلاعب بالعدادات في ظل لجوء بعض المواطنين إلى وسائل غير قانونية للتأثير على تسجيل الاستهلاك أو الحصول على الكهرباء دون سداد قيمتها، الأمر الذي يترتب عليه خسائر مالية كبيرة تتحملها شركات التوزيع في النهاية.
هذه الظاهرة تضع الشركات في موقف لا تُحسد عليه، فهي مطالبة بتحسين الخدمة والحفاظ على حقوق المشتركين الملتزمين، وفي الوقت نفسه مكافحة الاعتداءات على الشبكة الكهربائية التي تؤثر على جودة التغذية واستقرار المنظومة.
الحقيقة أن الأزمة لا يمكن اختزالها في طرف واحد. فهناك مواطن يحتاج إلى مزيد من الشفافية والمعلومات حول كيفية احتساب الاستهلاك، وفهم أدق لطبيعة الشرائح الكهربائية وآليات الخصم والرسوم المرتبطة بالعدادات مسبقة الدفع، حتى يتمكن من متابعة استهلاكه بصورة واقعية بعيدًا عن التخمين أو الانطباعات الشخصية، وهناك أيضًا شركات توزيع مطالبة بتطوير آليات التواصل مع الجمهور وسرعة الاستجابة للشكاوى وتوضيح أسباب أي فروق في الرصيد أو الاستهلاك.
كما أن استمرار تداول المعلومات غير الدقيقة دون ردود سريعة ومقنعة من الجهات المعنية يترك المجال مفتوحًا أمام الشائعات، وهو ما يزيد من حجم الأزمة ويحول بعض المشكلات الفردية إلى قضية رأي عام.
وأخيرا وليس آخرا تبقى أزمة العدادات الكودية مسبقة الدفع واحدة من الملفات التي تحتاج إلى إدارة أكثر فاعلية للحوار بين المواطن ووزارة الكهرباء. فالحل لا يكمن في تبادل الاتهامات، بل في بناء الثقة والشفافية وتوفير المعلومات الدقيقة للمشتركين، بالتوازي مع مواجهة المخالفات وسرقات التيار التي تستنزف موارد القطاع.
وفي ظل التحديات الاقتصادية الحالية، يصبح الحفاظ على حقوق المواطن وحقوق الدولة في الوقت نفسه مسؤولية مشتركة، تتطلب تعاونًا حقيقيًا بين جميع الأطراف لضمان استقرار منظومة الكهرباء ومنع تحول أزمة العدادات إلى أزمة ثقة ممتدة تؤثر على العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.