محمد صلاح يكتب: "محمود عصمت بين رضا العاملين والسياسة الجديدة"
يبدو أن ما يحدث داخل وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة خلال الفترة الأخيرة لا يتعلق فقط بإدارة قطاع خدمي ضخم، بل يعكس أيضًا تحولًا ملحوظًا في أسلوب القيادة نفسها.
فالمتابع لتحركات وزير الكهرباء يدرك أن هناك تغييرًا جذريًا طرأ على شخصيته الإدارية، تغيير يقوم أساسًا على الانفتاح على القيادات والعاملين، والاقتراب أكثر من نبض القطاع وهموم أبنائه.
هذا التحول لم يأتِ عبر تصريحات أو بيانات رسمية، بل ظهر من خلال الممارسة اليومية. فالوزير أصبح أكثر حرصًا على التواصل المباشر مع القيادات في الشركات المختلفة، والاستماع إلى العاملين دون حواجز أو بروتوكولات معقدة. وهو ما خلق حالة من الارتياح داخل القطاع، خاصة لدى الكوادر التي كانت تشعر في أوقات سابقة بوجود مسافة بينها وبين متخذ القرار.
الأهم من ذلك أن دعم أبناء القطاع لم يعد مجرد شعار، بل تحول إلى أولوية واضحة. فهناك إدراك متزايد بأن نجاح منظومة الكهرباء، بكل ما تحققه من استقرار في الشبكة القومية وتوسع في القدرات الإنتاجية، يقف خلفه آلاف العاملين والمهندسين والفنيين الذين يعملون في ظروف ليست سهلة.
ومن هنا يبدو أن الوزير وضع ملف تحسين الأوضاع المادية للعاملين ضمن اهتماماته، ليس فقط باعتباره مطلبًا وظيفيًا، بل كجزء من تقدير الجهد الكبير الذي يبذله أبناء القطاع للحفاظ على استقرار الخدمة الكهربائية في مختلف أنحاء الجمهورية.
لكن ربما تكون الرسالة الأهم التي أراد الوزير توصيلها مؤخرًا هي تلك المرتبطة بزياراته المتكررة لمواقع العمل، وحرصه على تناول وجبات الإفطار خلال شهر رمضان وسط العاملين في الشركات والمحطات. هذه الخطوة تحمل في مضمونها رسالة واضحة: الوزير ليس بعيدًا عن أبناء القطاع، بل قريب منهم ويشاركهم أجواء العمل والتعب والمسؤولية.
فالقيادة في مثل هذه القطاعات الحيوية لا تقوم فقط على إصدار القرارات، بل على القدرة في بناء علاقة ثقة مع العاملين. وعندما يشعر الموظف بأن قيادته قريبة منه وتقدّر جهده، فإن ذلك ينعكس مباشرة على الأداء والانتماء.
لكن هذا التغيير في الأسلوب، رغم أهميته، يحتاج إلى استكمال بخطوات أكثر عمقًا. فالتحدي الحقيقي أمام الوزير اليوم لا يقتصر على إدارة الملفات الحالية، بل يمتد إلى بناء جيل جديد من القيادات والكوادر القادرة على تحمل المسؤولية في المستقبل.
قطاع الكهرباء يمتلك كوادر بشرية متميزة في مختلف الشركات والقطاعات، لكن هذه الكوادر تحتاج إلى فرص حقيقية للظهور والتصعيد، وإلى سياسات واضحة لدعم القيادات الشابة وتأهيلها لتولي المواقع التنفيذية. فالمؤسسات القوية لا تقوم على شخص واحد مهما كانت قدراته، بل على منظومة متكاملة من الكفاءات.
ولهذا يبقى دعم الكوادر البشرية وفتح الباب أمام جيل جديد من القيادات أحد أهم الملفات التي ينتظر العاملون من الوزير العمل عليها خلال الفترة المقبلة. لأن الحقيقة البسيطة التي يدركها الجميع هي أن “إيد واحدة ما بتسقفش”، وأن نجاح أي منظومة كبيرة مثل الكهرباء لا يتحقق إلا بروح الفريق والعمل الجماعي.
فإذا اكتمل هذا المسار، بين قيادة منفتحة تدعم أبناءها، وكوادر شابة تحصل على الفرصة وتتحمل المسؤولية، فإن قطاع الكهرباء قد يكون على أعتاب مرحلة أكثر قوة واستقرارًا في السنوات المقبلة.
ربما ما نشهده الآن داخل قطاع الكهرباء هو بداية لمرحلة
جديدة عنوانها “القيادة القريبة من الناس”، وهي مرحلة إذا استمرت بهذا النهج قد تعيد الكثير من الحيوية إلى منظومة تعتمد في الأساس على الإنسان قبل المعدات والشبكات.
وفي النهاية، قد لا تكون كل الملفات قد حُسمت بعد، لكن المؤكد أن تغيير أسلوب القيادة خطوة مهمة، لأنها غالبًا ما تسبق أي إصلاح حقيقي.