د.م. محمد سليم يكتب: عندما تُجهَض المبادرات في مهدها
في عام 2014، وفي ظل أزمة طاقة كانت تمر بها مصر آنذاك، تقدمتُ بمقترح لإنشاء الشركة المصرية لكفاءة الطاقة والطاقة المتجددة، لتكون كيانًا متخصصًا يتولى نشر برامج كفاءة الطاقة والطاقة الشمسية فوق الأسطح للمواطنين والمنشآت. كان الهدف بسيطًا وواضحًا: إدارة جانب الطلب على الطاقة بنفس الاهتمام الذي يُمنح لزيادة قدرات الإنتاج.
عُرض المقترح على القيادات المختصة في وزارة الكهرباء في حينه، وكان من الممكن أن يمثل خطوة مؤسسية مهمة في إصلاح سوق الطاقة في مصر، لكن المقترح لم يجد طريقه إلى التنفيذ لاسباب غير مفهومة، ومضت السنوات سريعًا.
واليوم، وبعد مرور عشر سنوات، لا يُطرح هذا الموضوع بكاءً على اللبن المسكوب، بل طرحه يأتي من باب مراجعة الضمير المهني والإداري عندما يتم الاستخفاف بالمبادرات الجادة وإجهاضها قبل أن ترى النور.
مفارقة السياسات في تلك الفترة
في نفس الفترة تقريبًا، صدرت قرارات تعريفة شراء الطاقة الشمسية لجذب المستثمرين في المشروعات الكبرى، وكان سعر شراء الكهرباء في مشروع بنبان قد بدأ بنحو 14.3 سنت لكل كيلووات ساعة.
وفي المقابل، كانت تعريفة شراء الكهرباء المنتجة من الأنظمة الشمسية الصغيرة للمواطن المصري في حدود 85 قرشًا لكل كيلووات ساعة.
هذا التفاوت في الحوافز أرسل رسالة اقتصادية واضحة:
تشجيع الاستثمار الكبير كان أولوية، بينما لم يحصل المواطن المنتج للطاقة على الحافز الكافي الذي يسمح بانتشار الطاقة الشمسية فوق الأسطح.
ماذا كان يمكن أن يحدث خلال عشر سنوات؟
لو تم تبني فكرة الشركة في ذلك الوقت، ولو تم دعم برامج الطاقة الشمسية الموزعة، لكان من الممكن خلال عشر سنوات فقط تركيب أنظمة شمسية بقدرة 10 كيلووات ذروة لنصف مليون مشترك.
وهذا كان سيضيف ما يقارب 5 جيجاوات من الطاقة الشمسية الموزعة داخل المدن والقرى ومثلها أيضا في برامج كفاءة الطاقة.
في المنظومة الحالية تعتمد على الغاز الطبيعي بنسبة تصل إلى 87% من خليط الوقود المستخدم في توليد الكهرباء، كان مثل هذا التوسع كفيلًا بتقليل الضغط على استهلاك الغاز، وخفض الفواقد في الشبكة، وتحقيق وفورات اقتصادية كبيرة.
المبادرات ليست ملكًا لأصحابها
القضية لا تتعلق بفكرة واحدة أو بمقترح لم يتم اعتماده، فإن إجهاض المبادرات من هذا النوع في مهدها لا يعني تهميش صاحب المبادرة فحسب، بل يعني حرمان الوطن من فرصة بديلة كان يمكن أن تعود بالنفع على الدولة والمواطن في المستقبل وهو ما نعانيه حاليا.
فالأفكار التي تُطرح في القطاعات الاستراتيجية ليست مجرد اجتهادات شخصية، بل قد تكون بذورًا لسياسات أو مؤسسات قادرة على إحداث تغيير حقيقي لو تم احتضانها وتغذيتها.
وعندما يتم تجاهل هذه المبادرات أو التقليل من أهميتها دون دراسة جادة، فإن الخسارة لا تكون فردية، بل تصبح خسارة وطنية لفرصة ربما لم تتكرر.
عالم متغير… وسوق طاقة غير مستقرة
يزداد وضوح أهمية هذه المبادرات اليوم في ظل الاضطرابات الجيوسياسية والحروب التي يشهدها العالم حاليًا، والتي انعكست بشكل مباشر على أسواق الطاقة العالمية.
فالحروب والصراعات تؤدي عادة إلى:
ارتفاع كبير في أسعار الوقود.
اضطراب سلاسل الإمداد العالمية.
صعوبة الحصول على بعض مصادر الطاقة حتى لو توفرت القدرة المالية لشرائها.
وفي مثل هذه الظروف، تصبح أمن الطاقة مسألة تتجاوز مجرد السعر، لتصل إلى إمكانية الحصول على السلعة نفسها.
وهنا تظهر القيمة الاستراتيجية لمشروعات كفاءة الطاقة والطاقة الشمسية عند المستخدم النهائي، لأنها تمثل مصدرًا محليًا للطاقة لا يعتمد على تقلبات الأسواق العالمية أو أزمات الإمداد.
قيمة لا تُقدَّر بثمن
إن مشروعات كفاءة الطاقة ونشر الخلايا الشمسية فوق الأسطح ليست مجرد مشروعات اقتصادية، بل هي استثمار في أمن الطاقة الوطني.
فكل كيلووات ساعة يتم توفيره باستخدام تكنولوجيات كفاءة الطاقة أو إنتاجه محليًا من الشمس يعني:
وقودًا لم يتم استيراده.
عملة صعبة لم يتم إنفاقها.
قدرة إضافية على مواجهة الأزمات العالمية.
ولهذا فإن مثل هذه المبادرات لا تُقدَّر قيمتها بثمن، لأنها تخلق فرصة بديلة تعزز مرونة الاقتصاد وتحافظ على مقدرات الوطن.
الدرس بعد عشر سنوات
لقد مرت عشر سنوات سريعًا، وكان يمكن خلالها تحقيق الكثير.
لكن التجربة تذكرنا بحقيقة مهمة:
الدول لا تتقدم فقط بالمشروعات الكبرى، بل أيضًا بالقدرة على احتضان الأفكار الجديدة وتحويلها إلى برامج عمل.
فقد لا يكون إجهاض المبادرة مجرد قرار إداري عابر، بل قد يكون حرمانًا لوطن كامل من فرصة كان يمكن أن تعزز أمنه الطاقي وتحافظ على موارده في مواجهة عالم يزداد اضطرابًا يومًا بعد يوم
د.م. محمد سليم سالمان
رئيس قطاع المراقبة المركزية للاداء بكهرباء مصر سابقا