رئيس مجلس الإدارة
عبدالحفيظ عمار
رئيس التحرير
محمد صلاح

احتياطي قابل للزيادة.. ماذا يعني اكتشاف حقل غاز "دينيس" لمصر؟

عالم الطاقة

اكتسب اكتشاف شركة "إيني" الإيطالية حقل غاز جديد في مصر "دينيس دبليو 1" في امتياز التمساح بالبحر المتوسط، أهمية متزايدة في وقت تتزايد فيه ضغوط أسواق الطاقة العالمية وتتسع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك المحلي من الغاز الطبيعي، ليعكس تحركاً استباقياً من "البترول" المصرية لإعادة ضبط معادلة الإمدادات وتقليص الاعتماد على واردات الغاز المسال.

وبحسب خبراء طاقة تحدثوا لـ "العربية Business"، فإن الاكتشاف الجديد، الذي تشير التقديرات الأولية إلى احتوائه على نحو 2 تريليون قدم مكعبة من الغاز، يضعه ضمن فئة الاكتشافات المتوسطة، دون أن يصل إلى مستوى الحقول العملاقة، فعلى سبيل المقارنة، يظل حقل "ظهر" النموذج الأبرز في مصر باحتياطيات تتجاوز 30 تريليون قدم مكعبة، وهو ما يعني أن الاكتشاف الحالي، رغم أهميته، يأتي في إطار دعم الإنتاج القائم أكثر من كونه نقطة تحول جذرية في خريطة الغاز.

ارتفاع أسعار النفط مع حذر المستثمرين تجاه وقف الحرب بين أميركا وإيران

حقل "دينيس" جاء نتاج اتفاقية ملزمة موقعة في يوليو 2025 بين "إيني" الإيطالية والهيئة المصرية العامة للبترول والشركة المصرية القابضة للغاز الطبيعي "إيجاس" لتجديد امتياز التمساح لمدة 20 عاماً. إذ يعكس الاكتشاف استمرار جاذبية قطاع الغاز المصري للاستثمارات الأجنبية، وكذلك فرص الاكتشاف التي لا تزال قائمة في مناطق الامتياز البحرية، خاصة في شرق المتوسط، كما يعزز من استراتيجية مصر القائمة على تعظيم الإنتاج المحلي بالتوازي مع تنويع مصادر الإمداد، بما يحقق قدراً أكبر من المرونة في إدارة ملف الطاقة.

إنتاج متوقع واسترداد النفقات

وبحسب أستاذ هندسة البترول بالجامعة الأميركية الدكتور جمال القليوبي، فإن الحقل يمكن أن يحقق معدلات إنتاج يومية تتراوح بين 100 و120 مليون قدم مكعبة غاز و3 إلى 5 آلاف برميل متكثفات يومياً، مع ترجيحات بأن يبدأ الحقل الجديد بالإنتاج منتصف 2027 عند ذروة التشغيل.

وقال القليوبي لـ"العربية Business"، إن الشريك الأجنبي بالحقل سيبدأ في عمليات الحفر ثم بناء رصيف بحري قد يحتاج لمدة بين 6 إلى 12 شهراً، ثم بناء تسهيلات الإنتاج وربطها بالشبكة القومية للغاز الطبيعي في البلاد، تمهيداً لبدء الاستهلاك والتوجيه لقطاعات الدولة المختلفة.

وأكد القليوبي: إن هذه المعدلات، وإن بدت محدودة مقارنة بإجمالي استهلاك مصر الذي يتجاوز 6.3 مليار قدم مكعبة غاز يومياً، فإنها تظل كفيلة بتقليص جزء من الفجوة الحالية، خاصة في فترات الذروة الصيفية التي يتجوز فيها الاستهلاك المحلي متوسط 6.7 مليار قدم مكعبة يومياً.

تابع أن نحو 30% من الإنتاج ستدخل ضمن حساب استرداد النفقات الاستثمارية والتشغيلية للحقل لمدة 5 إلى 6 سنوات، على أن تحصل بعدها شركتي "إيني" و"بي بي" على حصة 50% فيما تذهب حصة 50% أخرى إلى وزارة البترول المصرية.

ويقع اكتشاف "دينيس" على بعد 70 كيلومتراً من الشاطئ، في مياه يبلغ عمقها 95 متراً، وعلى مسافة تقل عن 10 كيلومترات من البنية التحتية القائمة، مما يتيح تكاملاً كبيراً مع البنية التحتية القائمة لتسريع عملية التطوير، وعلى غرار حقل التمساح المجاور، الذي بدأ الإنتاج فيه منذ عام 2001، يتميز هذا الاكتشاف بخزان رملي غني بالغاز ذي جودة ممتازة، بسماكة صافية تبلغ حوالي 50 متراً.

يغطي 5% من فجوة الغاز

أما نائب رئيس الهيئة المصرية العامة للبترول الأسبق مدحت يوسف، فيرى أن تقدير حجم إنتاج الاكتشاف الجديد يكون بناءً على عدد الآبار التنموية التي سيجري حفرها للحصول على أقصى طاقة إنتاجية، موضحاً أن الشركاء عادة يحددون عدد الآبار بناء على حجم كل بئر مستهدف وتقدير احتياطات كل بئر منفردة، وهنا من الممكن أن يرتفع احتياطي الحقل من الغاز القابل للاستخراج، مثلما حدث في حقل "نورس" بالبحر المتوسط الذي ارتفعت احتياطياته من الغاز عقب بدء عمليات الحفر التي احتوت على مكامن غاز وطبقات حاملة للغاز بكثافة.

وتوقع يوسف، أن يتم البدء بحفر 5 آبار تنموية تباعاً للوصول بالإنتاج إلى متوسط يزيد عن 150 مليون قدم مكعبة يومياً، أخذاً في الاعتبار حجم الاستثمارات الضخمة الخاصة بالحفارات ومنصات وتسهيلات الإنتاج وخطوط الأنابيب والربط بالشبكة القومية للغاز، وبالتالي فإن ربط الآبار يكون تدريجياً، ولعدم استنزاف الحقل بشكل سريع.

وبحسب يوسف فإن إنتاج الاكتشاف الجديد المتوقع بـ 150 مليون قدم مكعبة يومياً، سيغطي نحو 5% من فجوة الغاز الطبيعي بالبلاد، إذ تُنتج مصر نحو 4.2 مليار قدم مكعبة يومياً من الغاز في حين يصل الاستهلاك لمتوسط 6.3 مليار قدم مكعب يومياً في الشتاء، وفي الصيف يرتفع الاستهلاك إلى 7.2 مليار قدم مكعبة يومياً، ما يعني حدوث فجوة سوقية تصل ل 3 مليارات قدم مكعبة يومياً.

ظهر جديد أو 10 اكتشافات أخرى

وتابع نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، أن مصر تحتاج إلى اكتشاف ضخم بحجم حقل ظهر، يصل احتياطيه إلى ما لا يقل عن 30 تريليون قدم مكعبة، للوصول إلى مرحلة سد الفجوة الحالية بين إنتاج واستهلاك الغاز بالبلاد، وللاستغناء عن واردات الغاز سواء من خطوط الأنابيب أو عبر ناقلات الغاز المسال التي تتأثر بتقلبات الأسعار العالمية.

أما جمال القليوبي فأكد أن مصر بحاجة إلى 8 لـ 10 اكتشافات غازية جديدة باحتياطي يتراوح بين 3 إلى 6 تريليونات قدم مكعبة للاكتشاف الواحد، من أجل تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي، وضمان استقرار إمدادات السوق للقطاعات الاستهلاكية والتشغيلية بالبلاد كالصناعة والكهرباء.

خفض الواردات 1.2 مليار دولار سنوياً

وقال مصدر مسؤول بوزارة البترول المصرية، إن الاكتشاف الجديد سيغطي جانب من احتياجات السوق المحلية من الغاز الطبيعي بدلاً من استيرادها عبر عقود غاز مسال قصيرة ومتوسطة الأجل، ومن ثم سيحصل غاز "دينيس" محل بعض شحنات الغاز المسال المتوقع استيرادها خلال 2027/2028.

وتوقع المصدر، أن يوفر الكشف الغازي الجديد ما يقارب 1.1 إلى 1.2 مليار دولار سنوياً، وهي تكلفة كانت تُخصصها الحكومة المصرية لاستيراد شحنات من الغاز من الخارج خاصة في أوقات ذروة الاستهلاك بأشهر الصيف.

تابع، أن أهمية الاكتشاف بشكل أكبر تبرز بالنظر إلى موقعه القريب من البنية التحتية القائمة، وهو ما يمنح المشروع ميزة نسبية في سرعة التنمية وخفض التكلفة، موضحاً أن قرب الحقل من التسهيلات الإنتاجية الحالية يتيح ربطه سريعاً على الشبكة القومية، ما قد يسرع ببدء الإنتاج خلال 2027، وهو إطار زمني يُعد قصيراً نسبياً في صناعة تتسم عادة بطول دورات التطوير.

ولفت أيضاً إلى أن الاكتشاف يعزز من خطط زيادة الإنتاج المحلي، ويأتي في توقيت محوري لدعم استقرار منظومة الطاقة وتقليل الاعتماد على الاستيراد، مشيراً إلى أن سرعة تنميته تمثل عنصراً حاسماً في تعظيم العائد الاقتصادي منه خاصة وأن قرب الاكتشاف من البنية التحتية القائمة يخفض بشكل كبير من تكاليف التنمية، ويحسن من الجدوى الاقتصادية للمشروع في ظل أسعار الطاقة العالمية.

تم نسخ الرابط
ads