محمد صلاح يكتب: تسعير العدادات الكودية.. إصلاح ضروري أم صدمة غير محسوبة!
مع إعلان وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة عن تطبيق آلية التسعير الجديد للعدادات الكودية باتت الأزمة تطرح واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا وحساسية، ليس فقط لارتباطها المباشر بالمواطن، ولكن لأنها تعكس تحولات أعمق في فلسفة إدارة الدعم والخدمات الأساسية وسط تأكيدات رسمية بأن ما يجري هو “تنظيم للمنظومة”، بينما يرى اصحاب العدادات الكودية ان القرار يمثل “عبئًا متزايدًا” وهو يبقي الملف مفتوحًا على جميع الاحتمالات.
في بدايتها، لم تكن العدادات الكودية سوى حل عملي لمواجهة أوضاع استثنائية، أبرزها انتشار البناء المخالف وصعوبة استكمال إجراءات التقنين بشكل فوري. فجاءت كآلية تضمن توصيل التيار بشكل قانوني مؤقت، وفي الوقت نفسه تحافظ على حق الدولة في تحصيل قيمة الاستهلاك، وتحد من ظاهرة سرقات الكهرباء التي كانت تمثل نزيفًا مستمرًا للموارد.
لكن هذا الحل المؤقت، تحول مع مرور الوقت إلى واقع دائم يضم ملايين المشتركين، وهو ما فرض تحديات جديدة لم تكن مطروحة عند إطلاق الفكرة. فالسؤال لم يعد: كيف نوصل الخدمة؟ بل أصبح: كيف ندير هذا الوضع طويل الأمد بشكل عادل ومستقر؟
من جانبها، تستند وزارة الكهرباء وشركات التوزيع إلى منطق واضح في تسعير هذه العدادات، يقوم على أن الدعم يجب أن يرتبط بوضع قانوني مكتمل، وأنه لا يمكن مساواة من استوفى الاشتراطات القانونية بمن لم يفعل. كما ترى الجهات المعنية أن التسعير الحالي يعكس التكلفة الحقيقية للخدمة، ويساهم في تقليل الفقد التجاري، وضبط منظومة الاستهلاك، دون تحميل الموازنة العامة أعباء إضافية.
هذا الطرح ينطلق من فلسفة “الانضباط المالي”، التي تسعى إلى حماية الموارد وضمان استدامة الخدمة، خاصة في ظل الضغوط المتزايدة على قطاع الطاقة.
في المقابل، يطرح المواطنون رؤية مختلفة تنطلق من الواقع المعيشي. فبالنسبة لهم، لم يعد العداد الكودي خيارًا مؤقتًا، بل أصبح وضعًا مفروضًا في ظل غياب مسار واضح للتقنين. ومع ارتفاع تكلفة الاستهلاك مقارنة بالعدادات التقليدية، يشعر كثيرون بأنهم يتحملون عبئًا إضافيًا، رغم التزامهم بسداد الفواتير بانتظام.
كما يبرز تساؤل مشروع: إذا كانت الدولة قد أقرت هذا النظام لضبط الاستهلاك ومنع المخالفات، فلماذا لا يتم دمج هذه الفئة تدريجيًا ضمن المنظومة الرسمية، وفق ضوابط تحقق التوازن بين حق الدولة وحق المواطن؟
الحقيقة أن جوهر الأزمة يكمن في تلك المنطقة الرمادية بين “تنظيم الخدمة” و”الردع غير المباشر”. فبينما تؤكد الجهات الرسمية أن الهدف تنظيمي بحت، يرى البعض أن آليات التسعير الحالية قد تحمل في طياتها بعدًا ردعيًا، حتى وإن لم يكن معلنًا. وربما تكمن الحقيقة في نقطة وسط، حيث تحاول الدولة ضبط المنظومة دون تشجيع استمرار الأوضاع غير القانونية.
لكن التحدي الأكبر لا يتعلق بالتسعير فقط، بل بكيفية إدارة المرحلة الانتقالية. فاستمرار العدادات الكودية دون إطار زمني واضح أو آلية محددة للتحول إلى عدادات دائمة، يخلق حالة من “المؤقت الدائم”، وهي حالة تزيد من تعقيد المشهد وتضع ضغوطًا على جميع الأطراف.
من هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى رؤية أكثر وضوحًا، تقوم على عدة محاور، أبرزها وضع آلية محددة لتقنين الأوضاع، وتحديد جدول زمني للتحول إلى النظام الدائم، مع دراسة إمكانية تقديم دعم جزئي للفئات الأكثر احتياجًا، بما يحقق قدرًا من العدالة دون الإخلال بالانضباط المالي.
في النهاية، تكشف أزمة العدادات الكودية عن تحدٍ أعمق يواجه قطاع الكهرباء، يتعلق بكيفية تحقيق التوازن بين استدامة الخدمة وعدالة توزيعها. فالدولة تسعى بحق إلى ضبط المنظومة وتقليل الفقد، بينما يبحث المواطن عن معادلة تضمن له خدمة مستقرة بتكلفة عادلة.
وبين هذا وذاك، يبقى الحل في الشفافية ووضوح الرؤية، لأن إدارة هذا الملف لم تعد تحتمل الغموض، بقدر ما تحتاج إلى قرارات واضحة تضع نهاية لحالة الجدل، وتحول هذا التحدي إلى فرصة لإصلاح حقيقي يخدم الجميع.