محمد صلاح يكتب :-من يسرق مهمات كهرباء مصر!!!!!
في الوقت الذي تضخ فيه الدولة مليارات الجنيهات لتطوير شبكات الكهرباء ورفع كفاءتها وتأمين التغذية الكهربائية للمواطنين والمصانع والمشروعات القومية، تتعرض هذه الاستثمارات لهجوم يومي من نوع آخر، هجوم لا يأتي من أعطال فنية أو ظروف طارئة، وإنما من عصابات تخصصت في سرقة مهمات الكهرباء وتحويلها إلى خردة تباع بالكيلو.
الأمر لم يعد مجرد سرقة أسلاك أو كابلات كما كان يحدث في السابق، بل تطور إلى استهداف مباشر للمحولات الكهربائية وأكشاك التوزيع وسرقة بارات النحاس والموصلات ومكونات حيوية داخل الشبكة. والأخطر أن بعض هذه السرقات تتم من مهمات متصلة بالتيار الكهربائي، بما يعكس جرأة غير مسبوقة واستهانة كاملة بحياة المواطنين والمنشآت العامة.
محافظات الصعيد أصبحت من أكثر المناطق تضرراً من هذه الظاهرة، حيث تتكرر البلاغات بشكل شبه يومي عن سرقة أسلاك وخطوط ومحولات في مناطق متفرقة، ما يؤدي إلى انقطاع التيار وتكبد الشركات خسائر بملايين الجنيهات سنوياً.
لكن السؤال الأهم: لماذا تستمر هذه الظاهرة رغم القبض على بعض المتهمين من وقت لآخر؟
الإجابة ببساطة أن التعامل مع المشكلة يركز على “السارق” بينما يتجاهل “المشتري”.
فالسارق لا يسرق النحاس أو الألومنيوم للاحتفاظ به، وإنما يسرقه لبيعه. وبالتالي فإن الحلقة الأخطر في هذه الجريمة هي منافذ شراء الخردة التي تستقبل هذه المهمات دون التحقق من مصدرها.
ومن هنا فإن الحل الجذري لا يكمن فقط في زيادة الحراسة أو تحرير المحاضر، وإنما في إصدار تشريع صارم يجرم حيازة أو شراء أي مهمات كهربائية حكومية أو أجزاء من الشبكات دون مستندات رسمية تثبت مصدرها، مع توقيع عقوبات مشددة على تجار الخردة المخالفين قد تصل إلى الحبس والغرامات الكبيرة وإغلاق النشاط نهائياً.
كما أن الوقت قد حان لتوظيف التكنولوجيا في مواجهة هذه الجرائم من خلال تركيب أجهزة تتبع وإنذار بالمحولات المهمة، واستخدام كاميرات مراقبة تعمل بالطاقة الشمسية في المواقع النائية، وربطها بغرف تحكم مركزية تستطيع رصد أي محاولة عبث أو فتح غير مصرح به للمعدات.
ومن الضروري أيضاً إنشاء قاعدة بيانات موحدة لجميع المهمات الاستراتيجية بالشبكة الكهربائية تتضمن أكواد تعريفية وعلامات مميزة تجعل إعادة بيعها أو تداولها أمراً سهلاً في التتبع والكشف.
الحقيقة المؤلمة أن تكلفة منع السرقة أقل كثيراً من تكلفة إعادة بناء ما يتم سرقته كل يوم٠٠٠ فكل متر سلك يُسرق، وكل بار نحاس يتم نزعه من محول، لا يمثل خسارة مادية فقط، بل تهديداً مباشراً لاستقرار التغذية الكهربائية وخدمات يعتمد عليها ملايين المواطنين.
إن سرقة مهمات الكهرباء ليست جنحة عادية، بل اعتداء على مرفق استراتيجي يمس الأمن القومي والاقتصاد الوطني وحياة المواطنين. ولذلك فإن مواجهتها يجب أن تنتقل من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة الحسم، عبر تشريعات رادعة، ورقابة صارمة، وتكنولوجيا حديثة، وتجفيف كامل لمنابع تجارة الخردة غير المشروعة.
وأخيرا فإن الدولة التي نجحت في بناء واحدة من أقوى شبكات الكهرباء في المنطقة، قادرة أيضاً على حماية هذه الشبكة من لصوص النحاس والألومنيوم، إذا توافرت الإرادة والآليات اللازمة لذلك