رئيس مجلس الإدارة
عبدالحفيظ عمار
رئيس التحرير
محمد صلاح

د. نبيه يكتب: "نقص الطاقة وزيادة إحتقان شعوب المنطقة هو الجزء الثانى من مخطط الفوضى الخلاقة "

عالم الطاقة

توقعت فى مقالة سابقة إنتهاء مخطط الفوضى الخلاقة بعد تحقيق أهدافه فى الشرق الأوسط،  وإمكانية أمريكا عن الإستغناء عن البترول العربى،  بعد تحقيقها الإكتفاء الذاتى فى 2020 وأن الوقت قد حان لجنى الثمار من مكاسب إقتصادية ورواج لشركات التسليح والتعمير والتكنولوجيا،  بمشاركتها فى إعادة التعمير،  وتزامن ذلك  مع مخطط لتغلغل إسرائيلى فى دول المنطقة من خلال بنود الإتفاقية الإبراهيمية. هجوم حماس فى 7 أكتوبر2023 الغير متوقع أربك حسابات المخططين (بسبب نفور شعوب المنطقة من هذا التطبيع نتيجة رد الفعل الإسرائيلى المستمر الغير آدمى فى غزة ولبنان)،  مما أضطرهم لتنفيذ ماأطلقت عليه الجزء الثانى من مخطط الفوضى الخلاقة بإفتعال نقص للطاقة والخدمات لزيادة إحتقان شعوب المنطقة،  للتمردعلى حكوماتها بغرض حدوث الفوضى. لعلى من خلال السطور التالية أتمكن من تغطية وتفسير الفكرة السابقة من خلال عدة أسئلة وأجوبة مع إستعراض لأحداث جارية تؤكدها بغرض التوعية المطلوبة لهذه المرحلة الحرجة.

السؤال: ما المقصود بمصطلح الفوضى الخلاقة؟
مخطط لإحداث التغييرات المطلوبة فى منطقة الشرق الأوسط،  باستغلال الاموال وأحدث وسائل الاتصالات والانترنت  في  ضرب الجذور الاجتماعية والأخلاقية والهوية الاسلامية،  تحت غطاء حقوق الانسان والحيوان،  وانه لحق يراد به باطل . بدأت الفوضي الخلاقة منذ الحرب الأهلية العراقية (2006 -2008 ) في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق 2003م والإطاحة بصدام حسين، وقد تم اعتبار ثورات الربيع العربي عام 2011  والتي تطورت لحروب أهلية دامية بأنها بداية الفوضي الخلافة في باقي الدول العربية التي وعدت بها كونداليزا رايس، والتي ستؤدي في نهاية المطاف للديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط ، وتزيل الحكومات العربية الإستبدادية حسب زعمها. في حين يري أخرون بأن هدف الفوضي الخلاقة كان تدمير واضعاف جيوش الدول العربية المعادية لإسرائيل وتقسيم الدول علي أساس عرقي وطائفي.

 

السؤال: ماذا تقصد بتعبيرك الجزء الثانى من مخطط الفوضى الخلاقة؟ 
الجزء ثانى من مخطط الفوضى الخلاقة غرضه الإستمرار فى تحقيق هدف الفوضى الخلاقة  بزيادة إحتقان الجماهير ( تحت ضغط نقص الطاقة والغلاء والفساد وتأثير وسائل الإتصال الإجتماعى السلبى مع قلة الوعى نتيجة تدهور التعليم ) ممما يضعف حكوماتها  ويجعلها أضعف من أن ترفض الإملاءات الخارجية، وأعجز من أن تبني مشاريع استراتيجية دون أن تتعرض للتخريب من قبل ميليشيات متناحرة تم زرعها داخل معظم دول المنطقة.
الولايات المتحدة لم تعد ترغب في خوض حروب مباشرة في الشرق الأوسط تكلفها تريليونات الدولارات (كما حدث في العراق). البديل الاستراتيجي هو سياسة "القيادة من الخلف" أو "موازنة القوى الخارجية". موافقة أمريكا بل ودفعها نحو تشكيل تحالف مكة (سني/عربي) لمواجهة (الشيعة/إيران) هو تطبيق حرفي لهذه السياسة. الهدف ليس انتصار طرف على آخر، بل إبقاء الطرفين في حالة استنزاف دائم (صراع صفري). هذا الصراع يضمن استمرار حاجة دول المنطقة للمظلة الأمنية الأمريكية ومبيعات السلاح الغربية مع إستمرار تسخير وسائل الاتصالات والانترنت والغلاء  في  ضرب الجذور الاجتماعية والأخلاقية والهوية الاسلامية داخل دول المنطقة فى ظل تدهور مستوى التعليم والتدنى الإعلامى لإضعاف الحكومات المركزية ليسهل ابتزازها سياسياً دون الحاجة لإطلاق رصاصة واحدة في حرب نظامية.

السؤال: هل هناك أوجه تشابه بين ما حدث فى  العراق عام 2003 وما يحدث حاليا في ليبيا  ودول أخرى؟ 
ما حدث في العراق عام 2003 لم يكن مجرد إسقاط لنظام، بل كان بمنزلة "نموذج استرشادي" لكيفية تفكيك الدول المركزية، وهو للأسف نفس السيناريو الذي تكرر بوجوه مختلفة في ليبيا، وسوريا، واليمن، والسودان. ففي العراق تم حل الجيش العراقي عمداً، مما خلق فراغاً سدته الميليشيات الطائفية والمسلحة التي أصبحت لاحقاً أقوى من الدولة نفسها وتتلقى أوامرها من الخارج وفي ليبيا وسوريا تم تدمير وإضعاف المؤسسة العسكرية المركزية، لتحل محلها عشرات الميليشيات المناطقية (مثل ميليشيات الغرب الليبي) والشركات العسكرية الأجنبية (مثل فاغنر)، مما يجعل قرار الحرب والسلم خارج سيطرة الحكومات الرسمية. الخطورة أن المنطقة تحولت الى مسرح للحروب بالوكالة ونهب الثروات مع إرساء "اقتصاد المافيا" فالأراضى فى ظل الفراغ الأمنى للدول تستخدم كمنصات لإطلاق الطائرات المسيرة أو تهريب الأسلحة لزعزعة استقرار الدول المجاورة. ورغم أن هذه الدول لا تزال محتفظة بحدودها المعترف بها دولياً على الخريطة، إلا أنها مقسمة فعلياً على الأرض.

السؤال: كيف يتم إستنزاف ثروات منطقة الصراع المفتعل والمستمر ؟
هذا ما يطلق عليه دورة الربح الخبيثة (شفط الثروات):
الاستنزاف بشراء أسلحة بمليارات الدولارات من الغرب أو الشرق لمواجهة التهديدات (المصنوعة أو الحقيقية).
التدمير الذاتي باستخدام هذه الأسلحة لتدمير البنية التحتية المحلية (مصافي نفط، شبكات كهرباء، جسور، مستشفيات).
الاستنزاف الثاني (الإعمار المسموم)  بعودة نفس الدول التي صنعت السلاح لتقديم شركاتها الهندسية لإعادة بناء ما تم تدميره.
نظراً لإفلاس الدول بعد الحروب، يتم سداد فواتير الإعمار عبر التنازل عن سيادة الدولة على حقول الغاز والنفط، لتبدأ دورة جديدة من التبعية.

السؤال: ما هى الجهات الرئيسية  التى تصنع الطائرات المسيرة (الدرونز) المستخدة فى التخريب؟
في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تكنولوجيا الطائرات المسيرة (الدرونز) الانتحارية ليست تقنية تصنعها المافيات المحلية في ورش صغيرة؛ بل تتطلب "رعاية دولة" لتوفير قطع الغيار، أنظمة التوجيه بالأقمار الصناعية، والتدريب. تقف خلف ذلك جهات رئيسية تستخدم "حروب الظل"وهى :
1- إيران والحرس الثوري: هي المورّد والمُدرّب الأول لشبكات الوكلاء فى العراق ولبنان وغزة و يتجلى ذلك بوضوح شديد في الحرب الأمريكية الإيرانية الحالية عندما تعرضت منشآت طاقة خليجية (في قطر، الكويت، السعودية، والإمارات) لهجمات متزامنة بمسيرات وصواريخ إيرانية أو من قِبل وكلائها، للضغط على دول الخليج والعالم بورقة الطاقة.
الشركات العسكرية الخاصة (مثل فاغنر/الفيلق الإفريقي الروسي): ينتشرون بكثافة في ليبيا ودول الساحل والصحراء. هؤلاء يمتلكون تكنولوجيا عسكرية متطورة (بما فيها المسيرات) ويستخدمونها لضرب المصالح الاستراتيجية للدول التي تحاول فرض الاستقرار، بهدف إبقاء المنطقة في حالة فوضى تسمح لهم بالسيطرة على حقول النفط ومناجم الذهب.
المرتزقة و المافيا يعملون كجيوش ظل مأجورة لمن يدفع أكثر، أو من يوفر لهم غطاء لعمليات التهريب، ينفذون له عمليات التخريب المطلوبة. مثلا المافيا المحلية (مثل مهربي الزاوية). اقتصادهم يعتمد على تهريب الوقود المدعوم  فأي مشروع رسمي ومحمي (مثل خط أنابيب مصر-ليبيا) يهدد بقطع أرزاقهم غير المشروعة،  لذلك، يصبحون أداة رخيصة ومثالية لتنفيذ هجمات بالمسيرات نيابة عن القوى الخارجية التي مدتهم بها وأعتقد أن إسرائيل من تقف وراء ذلك وكذلك عملية مسيرة ميناء دمياط  فالجهات الداعمة لا تتدخل بجيوشها الرسمية حتى لا تتعرض لعقوبات دولية أو رد عسكري، بل تستخدم وكلاء.

السؤال: ما يجب أن يعلمه المواطن المصرى كخلفيات ونفسير للأحداث الأخيرة؟ 
شعوب المنطقة محتقنة  نتيجة معاناة مستمرة من موجات الغلاء المستمرة نتيجة الحرب الأمريكية الإيرانية مع نقص حاد فى الخدمات والسلع. من وجهه نظرى هذا يدل على أن هناك جزء ثانى من مخطط الفوضى الخلاقة لتحقيق نفس الأهداف بإستمرار العمل على تفكيك دول المنطقة إلى ميليشيات متناحرة ،يجعلها أضعف من أن ترفض الإملاءات الخارجية، وأعجز من أن تبني مشاريع استراتيجية (مثل خط أنابيب طبرق-الإسكندرية) دون أن تتعرض للتخريب. الهدف النهائي هو تحويل هذه الدول من "فاعلين" في الإقليم إلى "أوراق ضغط" تستخدمها القوى الكبرى والإقليمية مع إستنزاف كافة مواردها بالكامل. الفراغ الأمني فى العراق وسورية واليمن وليبيا وغزة ليس صدفة، بل هو أداة استراتيجية فككت الدول إلى ميليشيات متناحرة مما يجعلها أضعف من أن ترفض الإملاءات الخارجية، وأعجز من أن تبني مشاريع استراتيجية دون أن تتعرض للتخريب. الهدف النهائي هو تحويل هذه الدول من "فاعلين" في الإقليم إلى "أوراق ضغط" تستخدمها القوى الكبرى والإقليمية.
تحالف مكة بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد تم وفق منطق الردع العسكري والمظلة الأمنية المشتركة لمواجهة تهديدات إقليمية أوسع، بينما مصر ترى أن التهديد الأكبر والأكثر إلحاحاً للأمن القومي العربي يتمثل في تصفية القضية الفلسطينية، مخططات التهجير، واستمرار حرب غزة. في ظل التعقيد الميداني وسعي واشنطن لاحتواء التصعيد وإيجاد مخرج لغزة، يظل التنسيق مع القاهرة هو حجر الزاوية لأي ترتيبات لليوم التالي للحرب، وهو ما يمنح مصر ثقلاً سياسياً مستقلاً لا ترغب في مقايضته بتحالفات عسكرية قد تُفقدها صفة "الوسيط الموثوق".
الوعى مطلوب مع الدعم الكامل لحكومتنا،  مع الحذر الكامل فى إستخدام وسائل التواصل والإنقياد للهيافات والأخبار المحبطة من أخبار طلاق وزواج وخناقات وقتل وتحليلات من غير المتخصصين،  فكلها تهدف إلى الهدم.


الخلاصة: هندسة المعاناة الشعبية بموجات الغلاء وضرب محطات الكهرباء وتدمير الوقود يضمن بقاء المواطن في دوامة من نقص الطاقة والخدمات الأساسية. هذا الغليان المستمر يمنع تشكل أي حاضنة شعبية مستقرة تدعم مشاريع التنمية الكبرى، ويحافظ على إستدامة "الفوضى الخلاقة" فى الدول مع جنى الأرباح  لشركات عسكرية وتكنولوجية وإقتصادية خارجية. مجرد التفكير خارج الصندوق للبحث عن مسارات آمنة للطاقة تتجاوز نقاط الاختناق المعتادة، تتحرك فوراً الطائرات المسيرة (السلاح المفضل حالياً لشن حروب الوكالة الرخيصة) لتدمير البنية التحتية، كرسالة ترهيب سياسية ولضرب ثقة أي مستثمر محتمل.
تحالف مكة أو أي اصطفاف إقليمي يُبنى على أسس مذهبية، يقع في النهاية ضمن الفخ الاستراتيجي المنصوب للمنطقة. أمريكا تدعم هذه التحالفات ليس حباً في طرف ضد آخر، بل لأنها تدير "مسرح العرائس" وتضمن أن تظل النيران مشتعلة بعيداً عن أراضيها، بينما تحترق ثروات المنطقة في أتون صراعات طائفية لا طائل منها.
عندما تكون السفينة مثقوبة وتكاد تغرق وسط عاصفة من الفوضى الموجهة، فإن الأولوية القصوى للقبطان ليست تعليم الركاب قواعد الملاحة، بل فرض الأوامر الصارمة وربما القاسية لإنقاذ السفينة أولاً، على أمل أن يتمكن من بناء وعيهم عندما يصلون جميعاً إلى بر الأمان فالوعى مطلوب حاليا من الجميع، وخاصة فى التعامل مع وسائل التواصل الإجتماعى وتشيير الشائعات والهيافات والأكاذيب.

تم نسخ الرابط
ads