رئيس مجلس الإدارة
عبدالحفيظ عمار
رئيس التحرير
محمد صلاح

مصر تسعى للتمركز في سوق الهيدروجين الأخضر عالمياً

عالم الطاقة

تخطط مصر لتعزيز موقعها في صناعة الهيدروجين الأخضر، مستفيدة من وفرة موارد الطاقة الشمسية والرياح، وموقعها الجغرافي القريب من الأسواق الأوروبية، إلى جانب حزمة من المشروعات الاستثمارية تدعم مركزها في السوق العالمية لإنتاج الهيدروجين الأخضر ومشتقاته وتصديرها.

وشهدت السوق المصرية خطوات متقدمة في هذا المسار، خاصة مع توقيع نحو 30 مذكرة تفاهم خلال مؤتمر المناخ "COP27" في عام 2022، انتقل 12 منها إلى اتفاقيات إطارية مبدئية، في مؤشر على اهتمام المستثمرين الدوليين بالفرص المتاحة في السوق المصرية.

وقال خبراء لـ"العربية Business" إن مصر تمتلك مقومات تؤهلها للمنافسة في هذه الصناعة، مع تقديرات لوصول تكلفة إنتاج كيلو غرام الهيدروجين الأخضر إلى نحو 3.7 دولار، مقارنة بتكاليف أعلى في عدد من الأسواق العالمية، فيما تمثل استكمال اتفاقيات الشراء وتوفير التمويل اللازم عوامل رئيسية لتسريع تنفيذ المشروعات.

وبحسب الخبراء فإن عام 2028 قد يمثل بداية مرحلة أوسع من تنفيذ المشروعات المصرية، مع اكتمال عدد من التعاقدات الاستثمارية والتجارية، ووضوح أكبر لملامح الطلب العالمي على الهيدروجين ومشتقاته.

وأوضحوا أن إنشاء مصنع للهيدروجين يستغرق بين 36 و40 شهراً، ما يجعل توقيت حسم قرارات الاستثمار والتمويل عاملاً رئيسياً في تحديد موعد دخول المشروعات الجديدة مرحلة الإنتاج.

وتشير التقديرات التي عرضها الخبراء إلى إمكانية وصول إنتاج مصر إلى نحو 1.5 مليون طن من الهيدروجين بحلول عام 2032، فيما تستهدف الخطط المطروحة الاستحواذ على حصة تتراوح بين 5% و8% من السوق العالمية للهيدروجين بحلول عام 2040.

وتتطلب هذه المستهدفات تسريع وتيرة تنفيذ المشروعات وتحويل الاتفاقيات الإطارية ومذكرات التفاهم إلى استثمارات فعلية، إلى جانب تطوير البنية التحتية اللازمة للإنتاج والتخزين والنقل والتصدير.

ورجح الخبراء إمكانية تنفيذ ما بين 4 و6 مصانع للهيدروجين الأخضر في مصر حتى عام 2032، بقدرة إنتاجية تقارب 200 ميغاواط للمصنع الواحد، وفق الخبراء.

وقال الممثل الإقليمي للمنظمة الدولية للهيدروجين الأخضر في جنيف، أسامة فوزي جوجي، ل"العربية Business" إن تكلفة إنتاج كيلوغرام الهيدروجين الأخضر في مصر تقدر بنحو 3.7 دولار، مقابل نحو 7 دولارات في الولايات المتحدة و8.5 دولار في أوروبا، فيما تبلغ التكلفة في بعض الأسواق الأخرى نحو 4.2 دولار.

وأضاف أن هذه التقديرات تعكس إمكانية تمتع مصر بميزة تنافسية من حيث تكلفة الإنتاج، خاصة مع التوسع في إنشاء محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتوفير الكهرباء اللازمة لتشغيل المشروعات الصناعية الجديدة.

وأوضح جوجي، أن مصر تتمتع بمجموعة مقومات التي قد تمنحها ميزة تنافسية في صناعة الهيدروجين الأخضر، يأتي في مقدمتها وفرة موارد الطاقة الشمسية والرياح، بما يتيح فرصًا لتوفير الكهرباء المتجددة اللازمة لتشغيل المحللات الكهربائية المستخدمة في إنتاج الهيدروجين.

فيما لفت إلى أن الموقع الجغرافي لمصر يُعزز هذه الفرص، إذ تقترب من الأسواق الأوروبية التي تسعى إلى تنويع مصادر إمداداتها من الهيدروجين منخفض الانبعاثات، فضلًا عن امتلاكها موانئ ومناطق صناعية يمكن أن تدعم عمليات إنتاج وتخزين وتصدير مشتقات الهيدروجين، وعلى رأسها الأمونيا الخضراء.

"العين السخنة" نقطة الانطلاق

وبدأت مصر خطواتها العملية في إنتاج الهيدروجين الأخضر من خلال مشروع العين السخنة، الذي يضم تحالفاً تشارك فيه شركات "سكاتك" النرويجية و"فيرتيغلوب" و"أوراسكوم للإنشاءات"، إلى جانب صندوق مصر السيادي.

وبحسب أسامة فوزي جوجي، يستهدف المشروع رفع القدرة الإنتاجية إلى نحو 100 ميغاواط خلال 2026-2027، مقارنة بقدرة 15 ميغاواط للمرحلة التجريبية التي بدأت في نوفمبر 2022.

ولفت إلى أن المشروع يمثل إحدى الخطوات العملية التي تستند إليها خطط التوسع في الصناعة، من خلال الاستفادة من الخبرات الاستثمارية والتكنولوجية للشركات المشاركة، وتطوير نموذج إنتاج يمكن البناء عليه في مشروعات أكبر خلال السنوات المقبلة.

ولا تقتصر خطط التوسع على العين السخنة، إذ تشمل خريطة المشروعات المستهدفة مناطق عدة، من بينها طور سيناء ورأس شقير وجرجوب وحلايب وشلاتين، في إطار مساعي الدولة لجذب تحالفات استثمارية أجنبية والاستفادة من الموارد الطبيعية المتاحة في مناطق مختلفة، وفقاً لجوجي.وأشار إلى أنه بالرغم من أن

هذه المشروعات ما زالت في مراحل مختلفة من التطوير، فإن تعدد المواقع والتحالفات يعكس اتساع نطاق الاهتمام الاستثماري بصناعة الهيدروجين الأخضر في مصر، وامتداد خططها إلى أكثر من منطقة جغرافية.

أوروبا تفتح آفاقاً للصادرات

وتمثل الأسواق الأوروبية إحدى أهم الفرص أمام مشروعات الهيدروجين الأخضر المصرية، في ظل احتياجات القارة المتزايدة إلى مصادر الطاقة منخفضة الانبعاثات، وسعيها إلى تنويع مصادر الاستيراد خلال السنوات المقبلة.

وأشار الرئيس التنفيذي السابق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء في مصر، حافظ سلماوي، إلى أن الاتحاد الأوروبي كان يستهدف استيراد نحو 10 ملايين طن من الهيدروجين الأخضر من خارج دول التكتل بحلول عام 2030، إلا أن هذه المستهدفات لم يتحقق جزء كبير منها، ما يعكس الحاجة إلى مزيد من الوقت لتشكل سوق تجارية مستقرة.

وأضاف سلماوي لـ"العربية Business" أن الاتحاد الأوروبي يقدر احتياجاته من الهيدروجين بنحو 60 مليون طن سنوياً بحلول عام 2050، مع استهداف إنتاج نحو 30 مليون طن داخل دول الاتحاد واستيراد الكمية المتبقية، بما يقارب 30 مليون طن سنوياً من الأسواق الخارجية.

وبحسب السلماوي، تتيح هذه الاحتياجات المستقبلية فرصاً أمام مصر لتعزيز موقعها كمورد للهيدروجين الأخضر ومشتقاته، خاصة مع القرب الجغرافي من أوروبا وإمكانية الاستفادة من الموانئ والمناطق الصناعية في عمليات التصدير.

لكن تحويل هذه الفرص إلى تعاقدات تجارية يتطلب وضوحاً أكبر في السياسات الأوروبية الخاصة بالاستيراد، واستكمال الأطر التنظيمية، إلى جانب توقيع اتفاقيات شراء طويلة الأجل تضمن استقرار الطلب على الإنتاج المصري، وفق سلماوي.

الصناعات المحلية ودعم التوسع

ولا تقتصر فرص نمو صناعة الهيدروجين الأخضر في مصر على التصدير إلى الأسواق الخارجية، إذ يمكن أن يمثل الطلب المحلي أحد المحركات المهمة لتسريع تنفيذ المشروعات الجديدة، خاصة في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.

وقال حافظ سلماوي إن تنمية الطلب المحلي قد تتيح فرصا مهمة أمام المشروعات المصرية، خصوصاً في صناعات الحديد والصلب، التي يمكن أن تستفيد من الهيدروجين الأخضر في مسارات خفض الانبعاثات الناتجة عن عمليات الإنتاج.

وأوضح أن تحول مصانع الحديد والصلب في مصر إلى استخدام الهيدروجين الأخضر بدلاً من الغاز الطبيعي قد يتطلب نحو مليوني طن من الهيدروجين سنوياً، بما يوفر قاعدة طلب محلية كبيرة يمكن أن تشجع المستثمرين على تطوير مشروعات جديدة.

ويساعد وجود سوق محلية محتملة على تنويع قنوات تسويق الإنتاج، وتقليل الاعتماد الكامل على المشترين الدوليين، بجانب دعم التكامل بين مشروعات الطاقة المتجددة والصناعات التحويلية، موضحاً أن تطوير استخدامات الهيدروجين في القطاعات الصناعية يمثل أحد المسارات التي يمكن أن تعزز الجدوى الاقتصادية للمشروعات، خاصة في الصناعات التي يصعب خفض انبعاثاتها بالاعتماد على الكهرباء وحدها.

تكلفة الإنتاج والتمويل

ورغم المقومات التنافسية التي تمتلكها مصر، ما زالت صناعة الهيدروجين الأخضر تواجه مجموعة من التحديات المرتبطة بتوفير التمويل وتوقيع اتفاقيات شراء الإنتاج، وهي عوامل تؤثر في توقيت انتقال المشروعات من مرحلة التخطيط والتطوير إلى التنفيذ الفعلي.

وقال أسامة فوزي جوجي إن نحو 30 مذكرة تفاهم جرى توقيعها خلال مؤتمر المناخ COP27 في عام 2022، انتقل 12 منها إلى اتفاقيات إطارية مبدئية، بينما انتهت صلاحية بقية المذكرات بعد مرور عام ونصف العام على توقيعها.

وأضاف أن عدداً من المشروعات التي انتقلت إلى مراحل أكثر تقدماً ما زال بحاجة إلى استكمال الإجراءات، بما في ذلك خطابات الضمان واتفاقيات شراء الإنتاج، موضحاً أن 5 مشروعات هيدروجين أخضر في مصر ما زالت تحصل على تمديدات زمنية لاستكمال التفاوض بشأن عقود شراء الأمونيا الخضراء مع مشترين دوليين.

وقدر الاستثمارات اللازمة للمشروع الواحد بمتوسط 4 مليارات دولار، تشمل إنشاء مصنع للهيدروجين وآخر للأمونيا، ما يجعل توفير التمويل واستقرار التعاقدات التجارية من أبرز محددات اتخاذ قرارات الاستثمار النهائية.

وتتمثل إحدى أبرز العقبات في ارتباط التمويل بتوافر مشترٍ يضمن تسويق الإنتاج، في الوقت الذي ينتظر فيه بعض المشترين تقدم المشروع على أرض الواقع قبل الالتزام بعقود شراء طويلة الأجل، بحسب جوجي.

ولا يقتصر هذا التحدي على مصر، بل يمتد إلى صناعة الهيدروجين منخفض الانبعاثات عالمياً، في ظل ارتفاع تكلفة رأس المال والمعدات، واضطراب سلاسل الإمداد، وعدم اكتمال تشكل سوق عالمية مستقرة للشراء والتسعير.

وتأتي المحللات الكهربائية في مقدمة المكونات المؤثرة في التكلفة الاستثمارية للمشروعات، إذ تستخدم لفصل الهيدروجين عن الأكسجين في الماء باستخدام الكهرباء، وتستحوذ على نحو 40% إلى 45% من التكلفة الاستثمارية للمشروع، بحسب تقديرات جوجي.

أوضح أن ارتفاع تكلفة هذه المعدات يدفع بعض الشركات إلى التريث في اتخاذ قرارات التنفيذ، انتظاراً لانخفاض أسعارها، وهو ما قد يسهم في تقليص التكلفة الاستثمارية الإجمالية للمشروعات مستقبلاً.

أسعار النفط والغاز تدعم التحول

وقال مصدر مسؤول بالشركة المصرية القابضة للبتروكيماويات ل"العربية Business"، إن الجدوى الاقتصادية لمشروعات الهيدروجين الأخضر ترتبط أيضاً بأسعار الوقود التقليدي، التي تؤثر في قدرة المنتجات منخفضة الانبعاثات على منافسة البدائل القائمة.

وأضاف أن استمرار أسعار النفط العالمية فوق 115 دولاراً للبرميل، وبقاء أسعار الغاز الطبيعي عند مستويات تتراوح بين 35 و40 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، يعززان فرص التحول نحو مشروعات الهيدروجين الأخضر.

وأوضح أن ارتفاع تكلفة الاعتماد على الوقود التقليدي قد يحسن تنافسية البدائل النظيفة، ويدفع الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة إلى إعادة تقييم خياراتها المستقبلية فيما يتعلق بمصادر الطاقة والمواد الأولية.

لكن تأثير أسعار النفط والغاز يظل مرتبطاً بعوامل أخرى، تشمل التكلفة النهائية لإنتاج الهيدروجين، وتوافر البنية التحتية، والالتزامات التنظيمية الخاصة بخفض الانبعاثات، ومدى استعداد الصناعات المستهلكة لتحمل فارق السعر مقارنة بالوقود التقليدي، وفق المصدر.

وبالتالي، تمثل أسعار المحروقات أحد العوامل المؤثرة في حسابات المستثمرين والمشترين، دون أن تكون وحدها كافية لضمان اتخاذ قرارات الاستثمار أو شراء الإنتاج.

تم نسخ الرابط
ads