رئيس مجلس الإدارة
عبدالحفيظ عمار
رئيس التحرير
محمد صلاح

محمد سليم سالمان يكتب: فصل شركات التوزيع نواة لتوحيد الأدوات والآليات

عالم الطاقة

مع التشكيل الجديد لمجلس الوزراء وتجديد الثقة في معالي وزير الكهرباء والطاقة المتجددة الدكتور محمود عصمت، تدخل منظومة الكهرباء مرحلة مفصلية تتطلب إدارة أكثر دقة للمخاطر وتعظيمًا لكفاءة الأصول، وبهذه المناسبة نتقدم بالتهنئة الى دولة رئيس مجلس الوزراء والى معالى الوزير، آملين أن تمثل المرحلة المقبلة نقطة انطلاق نحو ضبط الأدوات وتوحيد الآليات داخل القطاع، بما يدعم الاستقرار المالي والتشغيلي ويهيئ الأرضية لبناء سوق كهرباء منظم وتنافسي.
لقد تجاوزت أصول قطاع الكهرباء حاجز التريليون جنيه وبضع مئات من المليارات ، وهو رقم يعكس حجم الاستثمارات الضخمة التي ضُخت في البنية التحتية للإنتاج والنقل والتوزيع، لكنه في الوقت ذاته يفرض تحديًا إداريًا وماليًا كبيرًا. فكلما تضخمت الأصول وتعددت الشركات وتداخلت الأدوار، ارتفعت مستويات المخاطر التشغيلية والمالية، وأصبح من الضروري تبني منهجية واضحة لتجزئة الأصول وفق الأنشطة الرئيسية، بما يحقق الشفافية ويسهل القياس والمساءلة.
من هنا يبرز الفصل المؤسسي الجديد لشركات التوزيع تحت مظلة شركة قابضة متخصصة كجزء من منهجية تقليل المخاطر وليس مجرد إعادة ترتيب إداري، فالتجزئة الذكية للأصول بين أنشطة الإنتاج والنقل والتوزيع تسمح بتحديد التكلفة الحقيقية لكل نشاط، وتوزيع المخاطر المالية والتشغيلية بصورة أكثر توازنًا، وتعزيز القدرة على المتابعة والحوكمة، بما يحمي استثمارات الدولة ويُحسّن كفاءة إدارتها.
إن إدارة أصول بهذا الحجم تتطلب أدوات موحدة ونظمًا مالية وتشغيلية متسقة، وتحتاج كذلك إلى وضوح في المسؤوليات وسلاسل اتخاذ القرار، والفصل المؤسسي المدروس يمكن أن يكون نواة لإعادة ضبط المنظومة على أسس أكثر مرونة وشفافية، بما يحقق التوازن بين تعظيم العائد من الأصول وتقليل المخاطر، ويمهد تدريجيًا لبيئة سوق كهرباء منظم يخضع لرقابة تنظيمية قوية ويعتمد على تعريفة عادلة وتنافسية وتكون الشركات اكثر جاذبية للاستثمار والمستثمرين.
توضيح مفهوم تحرير سوق الكهرباء
عندما نتحدث عن تحرير سوق الكهرباء لا يعني الفوضى أو غياب الدولة، كما يظن البعض (وبعضهم عن قصد وسوء نية)، بل يعني الانتقال من نظام الاحتكار الكامل إلى نظام تنافسي منظم، تكون فيه الكهرباء سلعة اقتصادية تُنتَج وتُباع وتُشترى وفق تعريفة تنافسية، ولكن تحت رقابة صارمة من جهاز تنظيم المرفق، وبما يحمي المستهلك والسوق المالي في آن واحد.
أولًا: الكهرباء سلعة وخدمة في سوق منظم
في السوق المحرر، تُعامل الكهرباء كسلعة لها تكلفة إنتاج ونقل وتوزيع وخدمات مصاحبة، وهذه التكلفة لا تُحدد إداريًا فقط، بل تتشكل عبر آليات تنافسية بين المنتجين والموردين ومقدمي الخدمات، بما يحقق الكفاءة الاقتصادية.
غير أن هذا التنافس لا يتم في فراغ، بل داخل إطار تنظيمي يضع قواعد واضحة للتسعير والربط بالشبكات وجودة الخدمة وحقوق المستهلكين.
ثانيًا: التعريفة التنافسية لا تعني غياب الرقابة
التعريفة في السوق المحرر ليست تعريفة موحدة مفروضة على الجميع، بل قد تختلف وفق نوع المستهلك أو العقد أو وقت الاستهلاك. لكنها تظل خاضعة لمراقبة جهاز تنظيم مرفق الكهرباء، الذي يضمن عدم استغلال المستهلكين، وشفافية التكاليف، ومنع الاحتكار أو التواطؤ بين الشركات، والالتزام بمعايير الجودة والاستمرارية.
بهذا المعنى، فإن الجهاز التنظيمي يصبح حارسًا للسوق، يوازن بين مصالح المستثمرين وحقوق المستهلكين.
ثالثًا: حماية المستهلك جزء من التحرير
تحرير السوق لا يعني رفع الحماية عن المستهلك، بل على العكس، يستدعي وجود آليات أقوى لحمايته، مثل حق اختيار المورد أو التعاقد، وضوح الفواتير والتعريفات، ومعايير جودة الخدمة، وآليات الشكاوى والتعويض.
كما تظل هناك شرائح اجتماعية قد تحتاج إلى دعم موجَّه من الدولة، وهو ما يمكن تنظيمه دون تشويه كامل للسوق.
رابعًا: دور السوق المالي والاستثماري
وجود سوق كهرباء منظم وشفاف يسمح بدخول المستثمرين وتمويل المشروعات عبر البنوك والأسواق المالية، فتصبح التعريفة التنافسية الواضحة، والعقود المستقرة، والرقابة التنظيمية، كلها عناصر تمنح الثقة للممولين، وتقلل المخاطر، وتفتح المجال لمشروعات جديدة في الإنتاج والطاقة المتجددة والتخزين والخدمات المساندة.
خامسًا: التوازن بين التحرير والتنظيم
التحرير الحقيقي لسوق الكهرباء يقوم على معادلة دقيقة من حيث منافسة في الإنتاج والتوريد والخدمات، وتنظيم قوي ومحايد للشبكات والتعريفة، حماية فعالة للمستهلك، وشفافية مالية تجذب الاستثمار.
ومن ثم، فإن تحرير السوق ليس انسحابًا للدولة، بل انتقالها من دور المشغل المباشر إلى دور المنظم والحكم بين الأطراف، لضمان سوق عادلة ومستقرة ومستدامة.
سادسا : توحيد الأدوات داخل كل نشاط
عندما تتبع شركات التوزيع كيانًا قابضًا متخصصًا، فإن ذلك يتيح توحيد السياسات التشغيلية، وأنظمة الفوترة والتحصيل، ومعايير الخدمة، وبرامج تقليل الفقد الفني والتجاري، ونظم العدادات الذكية، ومنصات خدمة العملاء، هذا التوحيد يخلق بيئة أكثر كفاءة ويقلل التباينات بين الشركات، وهو ما ينعكس مباشرة على جودة الخدمة واستقرار الإيرادات.
سابعا: تمهيد الطريق لتحرير السوق
تحرير سوق الكهرباء لا يعني فقط السماح للقطاع الخاص بالدخول، بل يعني وجود بنية مؤسسية وتنظيمية قادرة على إدارة المنافسة، وجود قابضة للإنتاج يمكن أن يسهل فصل التوليد التنافسي عن التوليد المملوك للدولة، بينما قابضة التوزيع يمكن أن تمهد لظهور شركات بيع وتجارة كهرباء مستقلة في المستقبل.
كما أن هذا الفصل يساعد على تطبيق نماذج تسمح للتعاقدات الثنائية بين المنتج والمستهلك من خلال تنظيم واضح.
إن تحرير السوق ليس هدفًا في حد ذاته، بل وسيلة لتحسين الكفاءة وخفض التكلفة وضمان استدامة الإمداد، والفصل المؤسسي بين الأنشطة الرئيسية بفتح الطريق نحو افاق استثمارية تسعى لها الدولة ومراعاة الى التوازن بين متطلبات السوق واعتبارات الأمن القومي للطاقة.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام خطوة استراتيجية حقيقية لتطبيق التغيير على ارض الواقع ؟ ام يستمر النهج السابق من تعطيل لتنفيذ القانون تحت اعذار لا تنتهى ولن تنتهى؟ دعونا نرى
د.م. محمد سليم 
رئيس قطاع المراقبة المركزية للاداء بكهرباء مصر سابقا
عضو المجلس العربى للطاقة المستدامة

تم نسخ الرابط
ads