د. نبيه يكتب: كرة القدم.. أفيون الشعوب .. أُسقطت حكومات وجنت ثروات وتتحكم حاليا فى أسعار النفط!
تُعتبر كرة القدم أكثر من مجرد لعبة؛ فهي ظاهرة اجتماعية عابرة للحدود تمتلك قوة ناعمة وقدرة هائلة على تحريك الجماهير، مما جعلها أداة سياسية بامتياز عبر التاريخ. استخدمتها الأنظمة لتعزيز شرعيتها، واستخدمتها الشعوب للاحتجاج والتعبير عن الهوية. كما انتقل الاستخدام السياسي في العقد الأخير إلى مستوى "الاستثمارات السيادية والغسيل الرياضي (Sportswashing)، حيث تشتري دول أندية كبرى (مثل مانشستر سيتي، باريس سان جيرمان، نيوكاسل)، أو تحتكر إذاعة المباريات حصريا، أو تستضيف بطولات عالمية ليس فقط من أجل الرياضة، ولكن لبناء علاقات استراتيجية، وتأمين نفوذ سياسي، وتحسين السجل الحقوقي والدعائى في نظر العالم عبر القوة الناعمة ... لعلى من خلال السطور التالية أتمكن من عرض بعض الحقائق والخواطر التى تؤكد ذلك بغرض التوعية من خلال عدة أسئلة وأجوبة.
السؤال: ما أبرز السوابق التاريخية لإستخدام كرة القدم كأداة سياسية؟
الحكومات تُستخدم كرة القدم كأداة سياسية، فمثلا حسن أداء المنتخب الوطني المصرى بعد فترة إعداد ودعم كامل فى كأس العالم الحالية أستغل جيدا لتعزيز الشعور بالوحدة الوطنية والالتفاف حول القيادة، فنجح فى إستعادة توهج روح الأنتماء لدى المصريين فى الداخل والخارج، وتحسين الصورة الذهنية عن مصر، وإظهار مدى تطورها فقد أستوعبنا درس مخطط الفوضى الخلاقة فى 2011 وذلك بنوعية شبابنا بزيف هدف شعارات لجان حقوق الإنسان والحيوان التى كان يدعو لها الغرب وأمريكا على أرض الواقع من خلال سلوك وتصريحات المدرب حسام حسن واللاعبين بعد أداء مشرف. أما السوابق التاريخية البارزة لإستخدام كرة القدم كأداة سياسية فيمكن إيجازها فى السطور التالية:
1- كان الإيطالي بينيتو موسوليني (كأس العالم 1934) أول من أدرك قيمة كرة القدم كأداة للدعاية السياسية. استضافت إيطاليا البطولة وحقق المنتخب الإيطالي اللقب، عندما استخدم موسوليني فوز المنتخب الإيطالي باللقب لإظهار "قوة وعظمة النظام الفاشي" وتفوق العرق الإيطالي، وكانت الملاعب تعج بالشعارات الفاشية والتحيات العسكرية.
2- في وقت كانت تعاني فيه الأرجنتين من نظام حكم عسكري قمعي (كأس العالم 1978) استضافت البلاد البطولة وفازت باللقب، أستخدم"خورخي فيديلا" الفوز لتخفيف الضغط الدولي وتعديل صورة نظامه وإسكات صوت المعارضة.
3- حرب كرة القدم" بين السلفادور وهوندوراس (1969)حيث وصل التوتر السياسي والحدودي بين الدولتين إلى ذروته خلال تصفيات كأس العالم 1970 فبعد مباراة مشحونة بينهما، اندلعت أعمال شغب تطورت إلى نزاع عسكري مسلح استمر لمائة ساعة، وخلّف آلاف القتلى، فكانت الكرة هي الشرارة التي فجرت صراعاً سياسياً واقتصادياً كامناً.
4- تفتت يوغوسلافيا بعد مباراة دينامو زغرب وريد ستار 1990 وتعتبر هذه المباراة في مدينة زغرب (كرواتيا حالياً)، لحظة محورية في تاريخ البلقان حيث اشتبك مشجعو "ريد ستار" الصرب مع مشجعي "دينامو زغرب" الكروات، وكانت ركلة اللاعب "زفونيمير بوبان" لرجل شرطة يوغوسلافي اعتبرت "ركلة بدأت الحرب"، حيث كانت تعبيراً رمزياً عن رغبة الكروات في الانفصال عن الاتحاد اليوغوسلافي الذي كان يهيمن عليه الصرب.
5- لعبت روابط "الألتراس" (خاصة ألتراس أهلاوي ووايت نايتس في مصر) دوراً تنظيمياً وميدانياً كبيراً في أحداث ثورة 25 يناير، نظراً لخبرتهم في مواجهة قوات الشرطة في الملاعب لسنوات، فكانوا في الصفوف الأولى في الميادين، واستخدموا هتافات الملاعب كأدوات للتعبئة السياسية ضد النظام (ربيع تونس ومصر- دور الألتراس 2011).
6- دبلوماسية "بينغ بونغ" الكروية (إيران والولايات المتحدة 1998) في كأس العالم بفرنسا، وقعت إيران والولايات المتحدة في مجموعة واحدة في وقت كانت العلاقات مقطوعة تماماً. تم التعامل مع المباراة كمناسبة لـ"دبلوماسية الشعوب"، حيث تبادل اللاعبون الزهور والصور التذكارية، مما ساهم في تهدئة حدة الخطاب السياسي لفترة قصيرة.
7- إستضافة الولايات المتحدة لكأس العالم 2026 دفعت الرئيس ترامب لتهدئة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مع الإلتزام يإستضافة الفريق الإيرانى المشارك. ظهر التأثير السلبى للتسلط الأمريكى على الفيفا فى قرارات خاطئة فضحت هذا التسلط.
السؤال: ما تأثير سلوك وتصريحات حسام حسن خلال مباريات كأس العالم علي قضية فلسطين وإظهار حقيقة غياب الوعي الغربي والامريكي تجاه قضايا إنسانية؟
يُعد حسام حسن، أسطورة كرة القدم المصرية والمدرب الحالي للمنتخب المصري، من الشخصيات الرياضية القليلة التي تستخدم حضورها في المحافل الدولية للتعبير عن مواقف سياسية وإنسانية بوضوح، من خلال تصريحات أو إرتداء كوفية أو رفع علم، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فخلال تواجد حسام حسن في فعاليات كأس العالم (وخاصة نسخة قطر 2022 كعضو في "أساطير الفيفا")، وكذلك كمدرب للمنتخب المصرى فى كأس العالم 2026 كسر "حصار الرواية" عبر الرمزية البصرية في المحافل الدولية، حيث تتوجه أنظار المليارات نحو الشخصيات العامة. تعمد ذلك حسام حسن في مناسبات رسمية وتحت أنظار كاميرات الفيفا والمراسلين الدوليين، مما ساهم في اختراق التعتيم الإعلامي الذي تفرضه بعض الوسائل الأمريكية والغربية ونجح فى تسليط الضوء على "ازدواجية المعايير" الغربية تجاهل المآسي الإنسانية في فلسطين.
السؤال: هل تعتقد ان هزيمة الفريق الامريكي لكرة القدم وخروجه من كاس العالم 2026 كان له تاثير علي تصريحات ترامب تجاه إيران مما ادي لتصاعد سعر خام برنت؟ نعم أعتقد شخصيا ان هزيمة الفريق الامريكي لكرة القدم وخروجه من كاس العالم كان له تاثير علي تصريحات ترامب تجاه إيران وقصفها بحجة قصف بعض السفن في مضيق هرمز وذلك طبقا لطبيعة شخصيته بتوهم تولي زمام الامور، مما ادي لتصاعد سعر خام برنت ليبلغ حوالى 80 دولار للبرميل يوم الأربعاء، فطبيعة شخصية ترامب تؤكد"وهم حب السيطرة" من الناحية النفسية بالإضافة لبلوغه سن الثمانين وكلاهما كان له تأثير على سلوكه وتعليقاته المتضاربة بين لحظة وأخرى، فهو يربط "العظمة القومية" بالانتصارات في كافة المجالات (تجارة، رياضة، عسكرية). فخروج الولايات المتحدة من بطولة كأس العالم، التى تستضيفها حولت الأمر إلى رسالة شخصية سياسية تجاه إيران وما تبعه من قصف تسبب اليوم الأربعاء فى إرتفاع سعر خام النفط الى ما يقرب من 80 دولار. مع العلم بأن ترامب فى فترات عمره الأصغر لم يصل لهذه الدرجة من درجة تعظيم الذات المدمرة.
السؤال: قيم مشروع "بي إن سبورت" (beIN SPORTS) , وإحتكارها لنقل المباريات كاستثمار سيادي وغسيل رياضي؟ مع توضيح اثر ذلك علي الوسائل الإعلام الأخرى بخاصة المصرية؟
يعدّ مشروع "بي إن سبورت" (beIN SPORTS) أحد أبرز أدوات "القوة الناعمة" القطرية، وهو يتجاوز كونه مجرد شبكة قنوات رياضية ليصبح ذراعاً استراتيجية في السياسة الخارجية والاستثمار السيادي. فيما يلي تحليل لقيم ومكاسب الشبكة، ومفهوم "الغسيل الرياضي"، وأثر ذلك على الإعلام المصري:
أولاً مكاسب "بي إن سبورت" كاستثمار سيادي
1- بناء القوة الناعمة (Soft Power)نجحت قطر عبر الشبكة في جعل اسمها مرادفاً لأكبر الأحداث الرياضية عالمياً. هذا الوجود اليومي في بيوت ملايين العرب والعالم يعزز من مكانة الدولة كمركز إقليمي ودولي للرياضة.
2- الاحتكار كأداة ضغط وتفاوض بامتلاكها الحقوق الحصرية لمعظم البطولات الكبرى (كأس العالم، دوري أبطال أوروبا، الدوريات الخمسة الكبرى) في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تحولت الشبكة إلى أداة جيوسياسية. التحكم في ما يشاهده الجمهور" يمنح الدولة قدرة على التأثير الثقافي والإعلامي.
3- العوائد الاقتصادية غير المباشرة: رغم التكاليف الباهظة لشراء الحقوق والتي قد لا تغطيها الاشتراكات وحدها، إلا أن المكاسب تأتي من خلال الترويج لعلامات تجارية قطرية أخرى (مثل الخطوط الجوية القطرية) ودعم ملفات استضافة البطولات الكبرى.
4- الاحترافية والمعايير العالمية: فرضت الشبكة معايير إنتاجية وتحليلية عالية جداً، مما أجبر المنافسين على محاولة اللحاق بها، وخلقت سوقاً ضخماً للخبراء والمحللين.
ثانياً: مفهوم "الغسيل الرياضي" (Sportswashing): يُستخدم هذا المصطلح لوصف استخدام الرياضة لتحسين سمعة دولة ما وتشتيت الانتباه عن انتقادات سياسية أو حقوقية.
فالشبكة تركزعلى تغيير الصورة الذهنية لقطر كدولة متطورة، راعية للقيم الرياضية، ومنفتحة على العالم ومن خلال الشراكات مع "فيفا" والاتحاد الأوروبي والأندية الكبرى، تصبح الدولة جزءاً حيوياً من المنظومة الرياضية العالمية بخلاف المكاسب المالية الهائلة، مما يجعل من الصعب عزلها أو الضغط عليها سياسياً، وقد تأثر الإعلام الرياضي المصري بشكل عميق باحتكار "بي إن سبورت"، ويمكن تلخيص الأثر في النقاط التالية:
تراجعت قدرتة التنافسيةعن شراء حقوق بث البطولات الكبرى نظراً للارتفاع الفلكي في أسعار الحقوق التي تفرضها الشبكة القطرية بناءً على قدرتها المالية السيادية. كما تسبب هذا في "تقزيم" المحتوى الرياضي المصري ليقتصر غالباً على المسابقات المحلية (الدوري والكأس) أو البطولات الإفريقية التي تُبث أرضياً فقط داخل مصر، مع المعاناه من هجرة الكوادر الإعلامية المصرية (معلقين، محللين، مخرجين، وفنيين) بمرتبات لا يمكن للإعلام المحلي منافستها. وبالفعل تحول المشاهد المصري من "مشاهد منزلي" للقنوات المفتوحة إلى "مشاهد المقاهي" أو المشترك في أنظمة مشفرة مع نشوء ظاهرة "القرصنة الإلكترونية" (مثل أجهزة IPTV) كحل بديل للجمهور المصري لمواجهة الاحتكار والأسعار، التي لا تتناسب مع الدخل المتوسط، مما أثر على نمو صناعة الإعلام القانونية. ولوحظ في فترات التوتر السياسي بين القاهرة والدوحة، أن الإعلام الرياضي أصبح ساحة للمناوشات، فتأثر المشاهد المصري بقرارات المنع أو التشويش أو الحملات الإعلامية المتبادلة، مما خلط الرياضة بالسياسة بشكل مباشر.
الخلاصة: كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل هي "مرآة للسياسة و مساحة لتمرير الرسائل السياسية، التى تؤثر على الشعوب، فتفجر غضب مكبوت تجاه السلطة أو تحقق صحوة لروح الإنتماء للمواطنين في الداخل والخارج كما فعلت مصرفى كأس العالم 2026 بإكتساب تعاطف معظم الشعوب تجاه القضية الفلسطينية. كل الشكر لكل من شارك في التخطيط لتطوير سلاح الكرة المصرية وتطويعه لتحقيق هذا الهدف النبيل بحسن الإعداد او التصريح او السلوك في وجود إعلامي عالمى فالسياسة والرياضة وجهان لعملة واحدة. الرسالة وصلت للعالم كله شكرا يارجالة. هذا النوع من الخطاب واجه العقل الغربي وأخترق اللوبيات الرياضية اليهودية الدولية، بمرآة تعكس انحيازهم، فعندما يتحدث نجم بوزن حسام حسن بعفوية عن أن "الإنسانية لا تتجزأ"، فإنه يساهم في إحراج المؤسسات الرياضية التي تمنع الشعارات السياسية "العربية" بينما تسمح بأخرى "غربية"، مما يرفع وعي الجمهور الغربي الشاب، بوجود الكيل بمكيالين. هذا النجاح أرسل رسالة للسياسيين في الغرب وأمريكا، بأن القاعدة الجماهيرية العريضة في المنطقة (والتي تعتبر سوقاً ضخماً لكرة القدم) مرتبطة وجدانياً بفلسطين، ففتت جدار الجهل أو التجاهل الغربي تجاه القضايا الإنسانية في المنطقة العربية، مما سيجبر صناع القرار الرياضي والإعلامي على إعادة حساباتهم في كيفية التعاطي مع هذه القضايا لضمان عدم خسارة هذا الجمهور.
الحالة المزاجية المتسلطة للرئيس ترامب بعد بلوغه الثمانين عاما مع التأثير السلبى لإخفاقات التورط فى الحرب الإيرانية بالأضافة لتأثير خروج الفريق الأمريكى من كأس العالم تسببوا فى قراراته الغير متزنة ألأخيرة، ومنها قصف إيران كمحاولة لإثبات القوة أمام جمهوره الداخلي، وللأسف تسببت فى الإرتفاع المفاجئ فى أسعار خام النفط اليوم الأربعاء.
"بي إن سبورت" تمثل نموذجاً ناجحاً جداً للاستثمار السيادي الذي يحقق أهدافاً تتجاوز الربح المادي إلى الهيمنة الثقافية والسياسية، وبالنسبة للإعلام المصري، فقد وضعه هذا الاحتكار في مأزق "المشاهد التابع" أو "المنافس المحلي المحدود"، مما يتطلب استراتيجيات جديدة تعتمد على الاستثمار في الكوادر والمنصات الرقمية، بدلاً من الدخول في صراع مباشر على حقوق بث تفوق القدرات المالية التقليدية. أختتم بقول الشافعي رحمه الله "قولي صحيح يحتمل الخطأ وقول غيري خطأ يحتمل الصواب".
د. نبيه أحمد نبيه
محاضر بترول فى علوم القاهرة
مساعد رئيس جنوب القابضة للاتفاقيات والاستكشاف سابقا