شركات التوزيع بين ارتفاع الفقد وغموض بعض المبيعات.. باب حان وقت تدقيقه
تكشف قراءة تقرير الشركة القابضة لكهرباء مصر عن العام المالي 2024/2025 أن التحدي في شركات توزيع الكهرباء لا يقتصر على ارتفاع نسبة الفقد، بل يمتد إلى الحاجة لتطوير ميزانية الطاقة، وتحسين تصنيف المبيعات، والفصل بين الاستهلاك المقاس والدعم وسرقات التيار والأنشطة التجارية.
بلغت الطاقة المشتراة بواسطة شركات التوزيع خلال العام نحو 188.891 تيراوات ساعة، مقابل طاقة مباعة للمشتركين تبلغ 152.833 تيراوات ساعة؛ أي بفارق قدره 36.058 تيراوات ساعة، يمثل نسبة فقد ظاهرة تبلغ 19.09%.
وعند تقييم طاقة الفقد في العام الأخير فقط بمتوسط تكلفة افتراضي قدره 2.5 جنيه لكل كيلوات ساعة، تصل قيمتها الاقتصادية إلى نحو 90.145 مليار جنيه. وهذه قيمة تقديرية للطاقة غير المباعة، وليست بالضرورة خسارة مالية محققة بالكامل؛ لأن الفارق يتضمن فقدًا فنيًا وفقدًا تجاريًا وفروق قياس وتسويات.
الفقد خلال خمس سنوات

انخفضت نسبة الفقد من 22.04% إلى 19.09%، بتحسن بلغ 2.95 نقطة مئوية. لكن كمية الطاقة المفقودة انخفضت إلى 33.447 تيراوات ساعة في 2022/2023، ثم عادت للارتفاع لعامين متتاليين، حتى بلغت 36.058 تيراوات ساعة. وبالتالي تحسن النسبة لا يعني أن كمية الفقد انخفضت؛ فقد ساعد نمو الطاقة المباعة على تحسين المؤشر النسبي، بينما عادت كمية الطاقة غير المباعة إلى مستوى مرتفع. ومن ثم يجب تقييم الشركات باستخدام كمية الفقد ونسبته وقيمته ومكوناته، لا بنسبة مئوية واحدة.
أين تذهب الطاقة المباعة؟
يوضح التقرير توزيع نحو 152.796 تيراوات ساعة من المبيعات على الجهدين المتوسط والمنخفض وفق أغراض الاستخدام:

يمثل الاستهلاك المنزلي ما يقارب نصف الطاقة المباعة، وهو ما يفسر تأثير التكييفات والأجهزة المنزلية في الذروة المسائية. وتأتي الصناعة في المرتبة الثانية، ثم الحكومة والمرافق العامة، بينما يستحوذ بند «أخرى» وحده على أكثر من 10% من المبيعات.
ماذا يتضمن بند «أخرى»؟
وفقًا لملاحظة التقرير، يشمل هذا البند السعر الموحد، والأندية ومراكز الشباب، والهيئات الاقتصادية، والمنشآت السياحية، والتوصيلات المؤقتة، والزينة، وسرقات التيار. وهذا التجميع لا يسمح بحساب متوسط سعر البيع أو تقييم الأداء التجاري؛ لأن هذه الاستخدامات لا تخضع لتعريفة واحدة. كما أن سرقات التيار ليست غرضًا من أغراض بيع الكهرباء، ولا ينبغي إدراجها بجوار المبيعات القانونية المقاسة.
الطاقة المقدرة بمحاضر سرقات التيار يجب أن تظهر في جدول مستقل يوضح عدد المحاضر، والطاقة المقدرة، والقيمة المستحقة، والمبالغ المحصلة والمتأخرات. أما الطاقة المسروقة وغير المكتشفة فهي جزء من الفقد التجاري.
دعم النشاط الرياضي
ينص قانون الرياضة رقم 71 لسنة 2017 وقانون تنظيم الهيئات الشبابية رقم 218 لسنة 2017 على إعفاء الهيئات الرياضية والشبابية المشهرة 75% من مقابل استهلاك الكهرباء والمياه والغاز. وعلى سبيل المثال، بلغت تعريفة «باقي المشتركين» على الجهد المنخفض من أغسطس 2024 نحو 234 قرشًا لكل كيلوات ساعة؛ وبذلك يعادل ما تتحمله المنشأة الرياضية بعد الإعفاء نحو 58.5 قرش فقط عن كل كيلوات ساعة مستحقة للدعم.
ويجب التحقق من الإعفاء أن يقتصر على المقرات الإدارية المرتبطة بالنشاط الرياضي، الملاعب والأنشطة الرياضية، الملاعب غير المؤجرة للغير. أما المطاعم والكافيتريات وقاعات الأفراح والمحلات المؤجرة والأكاديميات التجارية والملاعب المؤجرة وغيرها من الأنشطة الهادفة للربح، فيجب محاسبتها بالتعريفة الكاملة المقررة لنوع النشاط.
باب حان وقت فتحه
تحتاج شركات التوزيع، بالتعاون مع جهاز تنظيم مرفق الكهرباء ووزارة الشباب والرياضة والجهاز المركزي للمحاسبات، إلى مراجعة تشمل حصر جميع الجهات المستفيدة من الإعفاء ، الفصل بعدادات مستقلة بين النشاط الرياضي والتجاري.
وإذا كان الإعفاء يمثل سياسة اجتماعية للدولة، فيجب أن يظهر دعمًا صريحًا وممولًا، لا إيرادًا مفقودًا تتحمله شركة التوزيع ثم ينعكس على قدرتها على الصيانة والاستثمار وجودة الخدمة.
وعليه لقد تحسنت نسبة الفقد خلال خمس سنوات، لكن كمية الطاقة المفقودة عادت للصعود وتجاوزت 36 تيراوات ساعة في 2024/2025. وفي الوقت نفسه، فإن تجميع استهلاكات وإعفاءات وتسويات مختلفة وسرقات تيار داخل بند «أخرى» يحجب صورة الأداء التجاري الحقيقي، ويصعّب تحديد تكلفة كل نشاط والعائد المحقق منه.
وهذا الطرح ليس نقدًا لجهة بعينها ولا تشكيكًا في البيانات أو الجهود المبذولة، وإنما دعوة مهنية إلى مزيد من التدقيق والشفافية؛ لأن سلامة إدارة قطاع الكهرباء تقتضي تتبع كل كيلوات ساعة: من أين أتى والى أين ذهب، وبأي تعريفة.
فالهدف هو دعم متخذ القرار، وحماية موارد القطاع، وتوجيه الدعم إلى مستحقيه، وتحسين أداء شركات التوزيع وجودة الخدمة المقدمة للمواطن.
د.م. محمد سليم سالمان
استشاري محطات إنتاج الكهرباء والطاقة المتجددة