د. نبيه يكتب: "النزاع حول تقاسم مناطق النفوذ والغاز في شرق المتوسط"
يمثل الصراع على ترسيم الحدود البحرية في شرق البحر المتوسط أحد أكثر النزاعات الجيوسياسية تعقيداً وذلك عقب اكتشافات الغاز الضخمة فى حقلى ظهر وليفياثان، حيث يدور بين المحور المصري-اليوناني (مدعوماً بقبرص) والمحور التركي-الليبي (حكومة الوفاق/طرابلس). يقوم النزاع حول تقاسم مناطق النفوذ والغاز في شرق المتوسط على تصادم جوهري بين فلسفتين قانونيتين وجغرافيتين مختلفتين تماماً لرسم الجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة (EEZ). شهدت الأيام الأخيرة واحداً من أبرز المنعطفات الجيوسياسية في الملف الليبي تجاه مذكرة التفاهم لترسيم الحدود البحرية مع تركيا بتحول مفاجئ في موقف معسكر شرق ليبيا (بقيادة المشير خليفة حفتر والبرلمان في بنغازي)، حيث تحول من الرفض القاطع وتهم "الخيانة الوطنية" إلى القبول الضمني والتقارب العملي.
لعلى من خلال السطور التالية أتمكن من إلقاء الضوء على النزاع حول تقاسم مناطق النفوذ والغاز ومستجداته خاصة بعد التطورات الأخيرة من خلال عدة أسئلة وأجوبة بغرض التوعية.
السؤال: عرف كل من مصطلحى الحدود البحرية الإقليمية والحدود البحرية الإقتصادية؟
1. المياه الإقليمية / الحدود البحرية الإقليمية Territorial Waters: هي حزام بحري ملاصق لساحل الدولة يمتد من "خط الأساس" (Base Line) نحو البحر لمسافة تصل في حدها الأقصى إلى 12 ميلاً بحرياً (قرابة 22.2 كيلومتر)، وذلك وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) وتخضع هذه المنطقة للسيادة الكاملة والمطلقة للدولة الساحلية؛ حيث تشمل السيادة المياه السطحية، وقاع البحر وما تحته، بالإضافة إلى المجال الجوي الذي يعلوها، تماماً كأراضيها البرية.
2. المنطقة الاقتصادية الخالصة / الحدود البحرية الاقتصاديةExclusive Economic Zone (EEZ): هي منطقة بحرية تقع وراء المياه الإقليمية وملاصقة لها، تمتد بحد أقصى إلى 200 ميل بحري (قرابة 370.4 كيلومتر) مقاسة من خط الأساس الذي يُقاس منه عرض المياه الإقليمية. لا تتمتع الدولة الساحلية بسيادة كاملة عليها، بل تمنحها الاتفاقية حقوقاً سيادية وولائية وظيفية مقتصرة على استكشاف وإستغلال وإدارة الموارد الطبيعية الحية (كالأسماك) وغير الحية (كالنفط والغاز والمعادن في قاع البحر وباطن أرضه والمياه التي تعلوه). كذلك إنتاج الطاقة من المياه والتيارات والرياح، وإقامة الجزر الاصطناعية والمنشآت، والبحث العلمي البحري، وحماية البيئة البحرية. تحتفظ باقي دول العالم في هذه المنطقة بحريات أعالي البحار، وأبرزها حرية الملاحة البحرية، وحرية الطيران فوقها، وحرية مد الكابلات وخطوط الأنابيب المغمورة تحت الماء.
السؤال: كيف تقسم الاتفاقية التركية الليبية مناطق النفوذ والغاز في شرق المتوسط مقارنة بالموقف اليوناني؟
يقوم النزاع حول تقاسم مناطق النفوذ والغاز في شرق المتوسط على تصادم جوهري بين فلسفتين قانونيتين وجغرافيتين مختلفتين تماماً لرسم الجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة (EEZ):
1. الرؤية التركية-الليبية (2019): ترى أنقرة وطرابلس أن الجزر اليونانية الواقعة قبالة السواحل التركية أو البعيدة عن البر اليوناني الرئيسي (مثل جزيرة كريت، ورودوس، وكارباثوس، وجزيرة كاستيلوريزو/ميس الصغيرة) لا يحق لها الحصول على جرف قاري كامل أو منطقة اقتصادية خالصة كاملة، بل تقتصر حقوقها على مياهها الإقليمية الضيقة (غالباً 6 أميال بحرية). ترسم الاتفاقية شريطاً مائياً يصل الساحل الجنوبي الغربي لتركيا مباشرة بالساحل الشمالي الشرقي لليبيا (بين درنة وطبرق). يمنح هذا الطرح ليبيا ما يقارب 39,000 إلى 40,000 كيلومتر مربع إضافية من المياه الغنية بالغاز جنوب جزيرة كريت، كانت ستذهب لليونان في حال تطبيق خط المنتصف اليوناني، بينما تكسر تركيا عزلتها البحرية وتمنع محاصرتها داخل خليج أنطاليا (الشكل رقم1).
2. الرؤية اليونانية: التطبيق الحرفي لـ UNCLOS وخط المنتصف حيث تستند اليونان إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS 1982)، وينص على المساواة بين الجزر واليابسة (المادة 121: تنص الاتفاقية الدولية على أن الجزر المأهولة والقابلة للحياة الاقتصادية تتمتع بنفس الحقوق البحرية كاليابسة القارية تماماً، بما في ذلك جرف قاري ومنطقة اقتصادية خالصة تمتد حتى 200 ميل بحري). وفقاً للحسابات اليونانية، فإن جزيرة كريت الكبيرة ومجموعة جزر الدوديكانيز تمتد جنوباً وشرقاً لتشكل حاجزاً بحرياً متصلاً يلتقي مباشرة مع المياه المصرية والقبرصية والليبية، مما يعني انعدام وجود أي حدود بحرية مشتركة أو متقابلة بين تركيا وليبيا. لقطع الطريق على الاتفاقية التركية-الليبية، سارعت اليونان لتوقيع اتفاقية ترسيم حدود بحرية جزئية مع مصر عام 2020، تتقاطع خطوطها مباشرة مع الممر المائي التركي-الليبي وتبطله من وجهة النظر اليونانية والمصرية حيث يحظى ذلك بتأييد الاتحاد الأوروبي ويتطابق مع معاهدات ترسيم معلنة.
السؤال: ما تقييمك لنجاح الجهود المصرية المبذولة فى ترسيم الحدود البحرية وإنعكاساتها على الأستكشاف والإنتاج فى منطقة شرق المتوسط؟
ترسيم الحدود البحرية مع قبرص وُقّع رسمياً عام 2003، ثم أُعيد تثبيت وتفعيل أطر التعاون الأمني وتحديد المكامن المشتركة بين عامي 2013 و2014.أتاح هذا الترسيم المستقر قانونياً لشركة «إيني» الإيطالية العمل بأمان كامل في امتياز «شروق» بالبحر المتوسط. فى أغسطس 2015 تم الإعلان عن اكتشاف حقل ظهر العملاق، ثم فى ديسمبر 2017 تم بدء الإنتاج الفعلي وضخ الغاز من الحقل بالتالي لولا حسم الترسيم البحري واستقراره المسبق، لما تمكنت الشركات العالمية من ضخ استثمارات استكشافية بمليارات الدولارات في تلك الرقعة. أما دور المرحوم المهندس شريف إسماعيل واللجنة المشتركة (البترول، الخارجية، والمخابرات) فقد عاصرتهما أثناء خدمتى وهو دور وطنى عظيم فقد شغل المهندس شريف إسماعيل منصب وزير البترول والثروة المعدنية من يوليو 2013 حتى سبتمبر 2015 (قبل توليه رئاسة الوزراء) وخلال هذه الفترة الحرجة (2013–2014)، تشكلت لجنة وطنية سيادية عليا لإدارة ملف الحدود البحرية وضمت بالفعل
وزارة البترول (لتقديم الخرائط الجيولوجية، وبيانات المسح السيزمي، وإحداثيات الامتيازات النفطية ومناطق الاستكشاف)
ووزارة الخارجية (لصياغة الجوانب القانونية والدبلوماسية وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار UNCLOS) وجهاز المخابرات العامة والقوات البحرية (لتقييم الأبعاد الأمنية والعسكرية ومقتضيات الأمن القومي وتأمين خطوط الملاحة).
نتج عن هذا التنسيق تسريع مراجعة الاتفاقيات مع قبرص، ووضع مسودات التفاوض المبدئية المعقدة مع الجانب اليوناني لتأمين حقوق مصر الاقتصادية قبالة السواحل الغربية والشمالية توجت بنجاح من خلال زيارات الرئيس السيسي لليونان وقبرص وتكوين آلية التعاون الثلاثي فى 2014 ، تلتها زيارات رئاسية متبادلة رفيعة المستوى إلى نيقوسيا وأثينا في أبريل ومايو 2015، حيث تم التوافق السياسي على تثبيت الخطوط البحرية مع قبرص وتنسيق استغلال الحقول عبر الحدود. أما مفاوضات ترسيم الحدود مع اليونان فقد استغرقت جولات فنية طويلة حتى توقيع الاتفاق النهائي رسمياً في أغسطس 2020 رداً على الاتفاق التركي-الليبي. أصدرت مصر قراراً رئاسياً يحدد حدودها البحرية الغربية من طرف واحد مع ليبيا (الترسيم المصري الأحادي مع ليبيا فى ديسمبر 2022) استناداً إلى خطوط الطول المعترف بها، وهو ما رفضته حكومة طرابلس (برئاسة الدبيبة) وأنقرة آنذاك، بينما التزمت به مصر لحماية حقوقها التعدينية والاستكشافية غرباً. وأخيرا منذ أيام أقر معسكر شرق ليبيا بقيادة المشير خليفة حفتر بمذكرة التفاهم لترسيم الحدود البحرية مع تركيا، حيث تحول من الرفض القاطع وتهم "الخيانة الوطنية" إلى القبول الضمني والتقارب العملي. كل تلك المتغيرات أستوعبتها تحركات مصر المسبقة بتطبيع علاقاتها مع أنقرة بتبادل الزيارات الرئاسية، تمهيدا لإدارة التنافس في ليبيا وشرق المتوسط بدلاً من الصدام عبر الوكلاء وأكد ذلك النجاح فى إستيراد 1200000 برميل بترول شهريا لتعويض المستورد من خلال خليج هرمز المغلق.
السؤال: ما انعكاس التقسيم الأخيرعلى صراع الغاز ومشاريع الطاقة؟
انعكاس التقسيم الأخيرعلى صراع الغاز ومشاريع الطاقة يشمل:
النشاط الأستكشافى فى شرق المتوسط لكل دولة.
بلوكات الغاز جنوب كريت: طرحت اليونان امتيازات للتنقيب عن الهيدروكربونات جنوب وغرب جزيرة كريت (تشارك فيها شركات مثل إكسون موبيل)، بينما تعتبر المذكرة التركية-الليبية أجزاءً من هذه البلوكات واقعة ضمن الجرف القاري الليبي أو التركي، مما يضع شركات الطاقة أمام مخاطر قانونية وأمنية.
مشروع خط أنابيب شرق المتوسط : استهدفت تركيا بالممر البحري قطع المسار الجغرافي لخط الغاز المقترح (المخطط له نقل غاز إسرائيل وقبرص إلى أوروبا عبر اليونان)، مشترطة ضرورة الحصول على إذن تركي
للمرور عبر تلك المياه.
الربط الكهربائي: يمتد الخلاف إلى كابلات الربط الكهربائي بين أوروبا ومصر وقبرص؛ حيث تواجه سفن الأبحاث والمسح أحياناً اعتراضات من البحرية التركية عند اقترابها من الممر المتنازع عليه جنوب بحر إيجة.
السؤال: ما الحكم القانونى المتوقع إذا عُرض النزاع البحري في شرق المتوسط أمام هيئة تحكيم دولية أو محكمة العدل الدولية؟
إذا عُرض النزاع البحري في شرق المتوسط أمام هيئة تحكيم دولية أو محكمة العدل الدولية، فإن الحكم القانوني لن يكون انتصاراً مطلقاً (100%) لأي من المحورين، بل سينتهي وفق السوابق القضائية الراسخة لقانون البحار إلى «حل توفيقي منصف» (Equitable Solution) يمنح المحور المصري اليوناني تفوقاً قانونياً في المبادئ العامة، بينما يُنصف تركيا في تقليص الأثر المبالغ فيه للجزر الصغيرة وهو ما اعترفت به مصر عملياً حين استبعدت إدخال جزيرة كاستيلوريز في اتفاقية مع اليونان للترسيم فى 2020.
الخلاصة: استقرار الحدود البحرية مع قبرص وتنسيق الأجهزة المصرية (البترول، الخارجية، والمخابرات) في عهد المرحوم مهندس شريف إسماعيل ورعاية الرئاسة المصرية كان الحجر الأساس الذي مهد لاكتشاف حقل ظهر، وبدء إنتاجه لاحقاً دون أي نزاع قانوني في تلك المنطقة. التحول الحديث في موقف معسكر شرق ليبيا بقيادة المشير خليفة حفتر والبرلمان في بنغازي تجاه مذكرة التفاهم لترسيم الحدود البحرية مع تركيا، يُعد واحداً من أبرز المنعطفات الجيوسياسية في الملف الليبي، حيث تحول من الرفض القاطع وتهم "الخيانة الوطنية" إلى القبول الضمني والتقارب العملي، حيث أدرك معسكر بنغازي أن الاتفاقية التركية الليبية من منظور الجغرافيا والمصالح الاقتصادية المجردة تمنح ليبيا مساحة بحرية ومناطق اقتصادية خالصة (EEZ) حوالى 40,000 كم² إضافية من المياه الاقتصادية الغنية باحتياطيات الغاز أكبر مما تمنحه الرؤية اليونانية، التي تمنح الجزر اليونانية الصغيرة مثل "كريت" جرفاً قارياً كاملاً يقتطع جزءاً كبيراً من البحر الليبي، كما سيستفيد "صندوق إعادة إعمار ليبيا" الذي يقوده بلقاسم حفتر في درنة والشرق بالشركات التركية، مقابل عدم عرقلة المصالح البحرية الاستراتيجية لتركيا في شرق المتوسط. التحركات المصرية السابقة بتسريع تطبيع علاقاتها مع أنقرة وتبادل الزيارات الرئاسية، نجحت فى إدارة التنافس في ليبيا وشرق المتوسط مباشرة بنجاح لتجنب الصدام عبر الوكلاء. أختتم بمقولة الإمام "الشافعي "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب". حفظ الله مصرنا من كل سوء.