رئيس مجلس الإدارة
عبدالحفيظ عمار
رئيس التحرير
محمد صلاح

محمد سليم سالمان يكتب: مهام وزير الكهرباء والإصلاحات المطلوبة لبناء سوق مرن

عالم الطاقة

في الأيام الأخيرة، لوحظ انتشار العديد من المنشورات التي تتناول ترشيح أسماء بعينها لتولي حقيبة وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة على الرغم من ان الوزير الحالي يقوم بمهام منصبه اعتبارا من يوليو2024 مع تحقيق نجاحات سريعة لكنه لم يحصل على الفرصة كاملة مثل سابقيه. وقد يبدو هذا الأمر في ظاهره “اهتمامًا بالشأن العام”، لكنه في جوهره يثير سؤالًا وطنيًا بالغ الخطورة: هل من المنطقي أن يُكلَّف بإصلاحات هيكلية عميقة نفس الأشخاص الذين كانوا في مواقع قيادية داخل القطاع لسنوات طويلة، خلال فترة تأخر فيها تنفيذ قانون الكهرباء لما يقارب عشر سنوات؟
إن إصلاح قطاع الكهرباء لم يعد مجرد تحسين أداء يومي أو متابعة أعطال وتشغيل محطات، بل أصبح ملفًا مؤسسيًا يتطلب تفعيل قانون الكهرباء، واستكمال إعادة الهيكلة الذى بدأه الوزير الحالى، واستقلال شركات الإنتاج والتوزيع، وتحويل شركة النقل إلى مشغل مستقل، ثم تحرير السوق تدريجيًا وصولًا إلى سوق حر خلال أقل من عامين.
وهذه إصلاحات لا يمكن إنجازها بذات الأساليب القديمة، ولا بعقلية “استمرار الوضع القائم” مهما تغيرت الأسماء.
إن ترشيح قيادات ارتبطت بالمسار السابق سواء بالصمت، أو بالتأجيل، أو بإدارة الواقع دون تغيير جذري لا يعني سوى امتدادٍ طبيعي لمنظومة المصالح الشخصية والارتباطات التنفيذية المتشابكة، على حساب المصلحة الوطنية والقومية التي تحتاج اليوم إلى قرارات واضحة وشجاعة، وإرادة إصلاح حقيقية لا تُدار بالتوازنات الفردية.
فالوزارة في هذه المرحلة ليست “منصبًا”، بل مسؤولية تاريخية إما أن تكون نقطة تحول نحو بناء سوق كهرباء حديث وشفاف، أو تصبح حلقة جديدة في سلسلة التأجيل والمصالح… بينما تتزايد التحديات وتضيق فرص الإصلاح.
محاور مهام الوزير والإصلاحات الهيكلية
إذا أردنا تحديد “مهمة الوزير” علميًا، فهي ليست إدارة التشغيل اليومي فقط، بل قيادة تحول مؤسسي يُدار عبر مجموعة محاور مترابطة:
محور استراتيجي: إعادة الهيكلة واستقلال شركات الإنتاج والتوزيع عن القابضة
محور الحوكمة: فصل الأدوار ووضوح المسؤوليات ومنع تضارب المصالح
محور السوق: شركة النقل كمشغل مستقل ومشتري للطاقة في المرحلة الانتقالية
محور التحرير: سوق جزئي ثم سوق حر خلال أقل من عامين
محور تشغيلي: ضمان الوقود والتشغيل والصيانة أثناء فترة التحول
محور اقتصادي: خفض الفقد وتعظيم الإيرادات وتحسين كفاءة استخدام الموارد
وفيما يلي عرض كل محور على حدة:
أولاً: المحور الاستراتيجي — إعادة الهيكلة واستقلال شركات الإنتاج والتوزيع
لقد تجاوزت المحفظة المالية للقابضة للكهرباء حاجز التريليون جنيه، وهو رقم يعكس ضخامة الأصول وتعقيد التدفقات المالية والتشغيلية داخل القطاع. وهنا تظهر حقيقة مهمة في علم إدارة الأصول والمؤسسات:
كبر حجم الأصول لا يعني أن المركزية أصبحت أكثر كفاءة… بل يعني أن فصل المسؤوليات أصبح أكثر ضرورة.
لذلك فإن الوزير الذي يسعى لإصلاح حقيقي يجب أن يتبنى مفهوم تفكيك المخاطر ؛ أي فصل الأنشطة الرئيسية إلى شركات مستقلة تعمل كل واحدة تحت مسؤولية مجلس إدارتها، وتُحاسب بمؤشرات أداء معلنة.
لماذا الاستقلال ضرورة؟
لأن استمرار التداخل المؤسسي ينتج عنه صعوبة قياس التكلفة وغياب المحاسبة الدقيقة على الكفاءة والفاعلية وتشابك مالي يجعل التمويل أكثر كلفة واقل مراقبة ويصعّب جذب المستثمرين 
أما في نموذج الاستقلال، تصبح شركات الإنتاج والتوزيع مسؤولة عن قراراتها ويسر التقييم المالي وكذلك المساءلة
وهنا يتحول القطاع من “إدارة منظومات متداخلة” إلى “إدارة سوق”.
ثانيًا: محور الحوكمة: السوق لا يقوم بدون قواعد ومحاسبة
السوق لا يعمل بالنوايا ولا بالعلاقات، بل يعمل بـ حوكمة رشيدة تمنع تضارب المصالح وتعيد الانضباط المؤسسي.
ولهذا فإن من المهام الرئيسية للوزير أن يبدأ سريعا بخطوات حوكمة واضحة، منها:
فصل الإدارة الاستراتيجية عن الإدارة التنفيذية
منع ازدواجية المناصب التي تجعل نفس الشخص “حكمًا ولاعبًا”
تفعيل لجان مجالس الإدارة (المراجعة، المخاطر، الاستثمار)
اعتماد مؤشرات KPI حقيقية لكل نشاط
وهذا المحور وحده كفيل بتحويل القطاع من “هياكل ورقية” إلى “منظومة أداء”.
ثالثًا: محور السوق: شركة النقل كمشغل مستقل ومشتري للطاقة
لا يمكن بناء سوق كهرباء بدون “عمود فقري محايد”، لذلك فإن أحد أهم مهام الوزير هو:
✅ تفعيل شركة النقل كمشغل مستقل للشبكة Independent System Operation
بحيث تدير الشبكة بحياد، وتضمن التوازن والاستقرار وعدم التمييز بين المنتجين على الرغم من تقييدها حاليا بالكثير من التعاقدات من منتجين الطاقة المتجددة ولمدد زمنية تصل الى 25 عاما وهو يمثل عبآ ومسئولية يصعب نقله الى احد الشركات الموجودة حاليا. 
وخلال مرحلة انتقالية سريعة نحو السوق الحر، تعمل شركة النقل أيضًا كـ:
✅ مشتري وحيد للطاقة (Single Buyer)
فتشتري الطاقة من جميع شركات الإنتاج (بما فيها القابضة سابقًا بعد إعادة تعريفها) ثم تبيع الطاقة إلى شركات التوزيع.
وبذلك نضمن أن السوق يبدأ منضبطًا والتسوية تصبح ممكنة والتحرير يحدث تدريجيًا دون “فوضى سعرية أو تشغيلية”
رابعًا: محور التحرير: سوق جزئي ثم سوق حر خلال أقل من عامين
تحرير السوق ليس شعارًا سياسيًا، بل جدول زمني وقواعد تشغيل وتسوية وهو اصبح امر حتمي عاجلا ام اجلا.
المرحلة الأولى (0–6 أشهر): تحرير جزئي منضبط وفيه يتم فصل الحسابات والمسؤوليات وتفعيل المشغل المستقل وبدء تعريف العملاء المؤهلين تدريجيًا (Eligible Customers)وعمل عقود ثنائية محدودة تحت رقابة تشغيلية.
المرحلة الثانية (حتى 12 شهرًا): سوق جملة منظم به قواعد تسوية وقياس ورسوم استخدام شبكة واضحة وآليات تجارية تمنع التشوهات
المرحلة الثالثة (حتى 24 شهرًا): انتقال للسوق الحر وتوسيع نطاق المنافسة وتقليل دور المشتري الوحيد وتفعيل سوق متعدد الأطراف
خامسًا: المحور التشغيلي: ضمان الوقود والتشغيل والصيانة أثناء التحول
الإصلاح الهيكلي لا يعني تجاهل التشغيل اليومي، لأن أي خلل تشغيلي سيُستخدم كحجة لتعطيل الإصلاح.
ولهذا يعمل الوزير بالتوازي على ضمان إمداد الوقود للمحطات وفق “أولوية الكفاءة” وبرنامج صيانة مبني على المخاطر وليس رد فعل للأعطال .
سادسًا: المحور الاقتصادي — خفض الفقد وتعظيم الإيرادات
القطاع لا يستقيم اقتصاديًا دون ضبط الفقد والتحصيل، وأقصر طريق لتحقيق أثر مالي سريع هو خفض الفقد الفني والتجاري وضبط منظومة القراءات والتحصيل وهناك اليات حديثة وجديدة يمكن تطبيقا ولو جزئيا على كبار المشتركين، وكذلك التعامل مع المغلق والمؤجل والمقروء بصفر، تحسين جودة الخدمة لأنها مرتبطة بالتزام السداد
وهنا يصبح استقلال شركات التوزيع عاملًا إيجابيًا، لأن كل شركة ستصبح مسؤولة عن ميزانها المالي، لا مجرد جهة تنفيذ .
وفي الختام، أحب أن أوضح وأشارك برأيي بكل موضوعية ودون أي حساسية أو همز أو لمز، أن ما تم طرحه في هذا المقال لا يقتصر على قطاع الكهرباء وحده، بل يصلح كذلك كنموذج يمكن الاستفادة منه في قطاعات أخرى مثل وزارة البترول أو وزارة قطاع الأعمال العام.
فإن ضخامة محفظة الشركات القابضة ليست سببًا للإبقاء على المركزية، بل هي في الواقع أقوى دليل على ضرورة التحول إلى نموذج أكثر مرونة وشفافية وحوكمة رشيدة. إذ كلما كبرت الأصول وتعقدت التدفقات المالية والتشغيلية، ازدادت الحاجة إلى وضوح الأدوار، وفصل المسؤوليات، وتطبيق آليات محاسبة دقيقة تضمن الاستدامة وتحمي المال العام وتعظم العائد الاقتصادي للدولة.، 
د. محمد سليم سالمان
رئيس قطاع المراقبة المركزية للأداء بكهرباء مصر سابقا
عضو المجلس العربي للطاقة المستدامة

تم نسخ الرابط
ads