رئيس مجلس الإدارة
عبدالحفيظ عمار
رئيس التحرير
محمد صلاح

بعد تحريكها 3 جنيهات.. هل تكفي زيادة الوقود الأخيرة لاحتواء ضغوط الموازنة في مصر؟

عالم الطاقة

تواجه الموازنة العامة في مصر ضغوطاً مالية متزايدة بسبب ارتفاع تكلفة توفير الطاقة الناجمة عن التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وذلك رغم تحريك أسعار المحروقات بين 14 و30% بداية مارس، لتفتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول مدى كفايتها لمواكبة تفاقم فاتورة الطاقة الشهرية بالبلاد.

ورغم امتصاص الشارع المصري للزيادة الأخيرة في أسعار الوقود بمتوسط 3 جنيهات للتر – وهي خطوة تعكس اتجاهاً واضحاً نحو تقليص فجوة الدعم، لكنها لا تزال بعيدة عن تحقيق التوازن بين سعر البيع وتكلفة الإنتاج والاستيراد، ومن ثم فإن المستقبل لا يزال يحمل تساؤلات حول كيفية الوصول لهذا التوازن لسد الفجوة التمويلية التي تتسع مع كل دولار زيادة في سعر برميل برنت، بما يكلف الموازنة المصرية 4 مليارات جنيه، إذ تتجه لجنة تسعير المحروقات المصرية لعقد اجتماع استثنائي جديد الشهرين القادمين للوقوف على أسعار بيع المحروقات.

ووفق مصادر مسؤولة بوزارة البترول المصرية لـ "العربية Business"، فإن تقديرات الفارق بين التكلفة الفعلية للمحروقات وسعر البيع المحلي يشير إلى فجوة سعرية تتجاوز 60% لبعض المنتجات وهو فارق يعكس أن تحريك أسعار المحروقات التي طبقت مؤخراً تمثل خطوة جزئية في مسار إصلاح التسعير، وليست معالجة كاملة لاختلالات هيكل التكلفة.

عجز في الموازنة وهيكل معقد للتكلفة

وذكر خبير البترول والطاقة الدكتور جمال القليوبي، أن الموازنة العامة للدولة عانت من عجز بنحو 55 مليار جنيه خلال الأسبوع الأول من الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، ما يعني أنه حال عدم اتخاذ قرار بتحريك أسعار المحروقات في مصر فإن حجم العجز كان سيقارب 220 مليار جنيه شهرياً، وهي قيمة تتجاوز حجم الدعم المقدر للمحروقات في موازنة 2025/2026 عند 75 مليار جنيه.

وأكد القليوبي لـ"العربية Business"، أنه رغم قرار تحريك أسعار المحروقات هناك فارق سعري بنحو 30% بين سعر برميل النفط العالمي حالياً وبين المقدر في موازنة العام المالي 2025/2026، ما يعني احتمالية لجوء لجنة تسعير الوقود إلى فرض قرارات استثنائية جديدة بتحريك الأسعار حال استمرار صعود النفط عالمياً وتجاوزه 110 دولاراً للبرميل.

ونفى مجلس الوزراء المصري وجود أي اجتماعات خلال الأسبوع الذي شارف على الانتهاء لتحريك جديد في أسعار المحروقات، رداً على ما وصفه بالشائعات.

وقال نائب رئيس هيئة البترول المصرية سابقاً مدحت يوسف"العربية Business"، إن تسعير الوقود في مصر لا يعتمد فقط على سعر الاستيراد، بل يتضمن مزيجاً معقداً يشمل الإنتاج المحلي (الذي يغطي نحو 60% من الاحتياجات)، وحصة الشريك الأجنبي، والواردات من المنتجات البترولية، بالإضافة إلى تكاليف النقل والتأمين والشحن.

أوضح أن هذا التنوع في مصادر الإمداد يؤدي إلى تفاوت كبير في متوسط التكلفة، حيث تصل تكلفة الكميات المستوردة إلى نحو ضعف تكلفة الإنتاج المحلي، ما يزيد من حساسية التسعير لأي تغيرات في الأسواق العالمية أو سعر الصرف.

وقال إنه رغم التحريك الأخير في أسعار المحروقات في مصر إلا أنها لن تكن كافية لسد فجوة التكلفة، وإنما خطوة ضمن مسار تدريجي لإعادة هيكلة دعم الوقود، خاصة وأن مستقبل الأسعار يظل مرهوناً بعاملين رئيسيين هما اتجاهات أسعار النفط العالمية، وقدرة الحكومة على الموازنة بين الاستدامة المالية والاعتبارات الاجتماعية.

ووصف مصدر مسؤول بوزارة البترول، زيادة الـ 3 جنيهات في أسعار الوقود قبل نحو أسبوعين بأنها خطوة لتقليص الخسائر وليست لتحقيق التعادل بين قيمة التكلفة وسعر البيع، ومع وصول خام برنت لـ 108 دولارات للبرميل في تعاملات الأسبوع الجاري قبل الهبوط إلى ما دون 100 دولار مع تفاؤل باقتراب انتهاء الحرب، تظل الموازنة المصرية تتحمل أعباء مالية دولارية قاسية، ما يجعل الاجتماع القادم للجنة التسعير حتمياً لرسم خارطة طريق جديدة توازن بين أمن الطاقة والقدرة الشرائية للمواطن.

لفت المصدر لـ "العربية Business" إلى أن فاتورة واردات الوقود الشهرية "بترول، غاز" قد تصل إلى 3 مليارات دولار شهرياً حال استمرار قفزات أسعار النفط والغاز بالسوق العالمية عند مستوياتها الحالية، وذلك مقابل متوسط 1.4 و 1.6 مليار دولار خلال ذات الفترة من العام الماضي.

وقدر المصدر تكلفة لتر السولار عالمياً بنحو 37 جنيهاً، وبما يتراوح بين 33و 35 جنيهاً للتر البنزين، ما يعني وجود فجوة سعرية بين التكلفة وسعر البيع بالنسبة للسولار تقارب 17 جنيهاً، وبين 9و12 جنيهاً بالنسبة لأنواع البنزين المختلفة، والتي تتحملها الدولة حالياً.

تابع أن أي تغير على مستوى هيكل أسعار المحروقات محلياً مرتبط مباشرة باستمرار التصعيد العسكري في المنطقة، على أن تسري تلك التغيرات السعرية على واردات التعاقدات الجديدة التي تسعى الحكومة للحصول عليها سواء بالنسبة للمواد البترولية أو شحنات الغاز المسال التي قفز سعرها من متوسط 12 و14 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية لنحو 20 دولاراً بسبب توترات الشرق الأوسط.

تحرير الأسعار والتحول للدعم النقدي

وقال وزير البترول المصري الأسبق عبدالله غراب، إن الوضع الحالي للطاقة في مصر يحتم تحرير أسعار المحروقات والتحول إلى الدعم النقدي المباشر للمواطنين المستحقين للدعم للتعامل بشكل أكثر إيجابية مع تطورات وتقلبات السوق المستمرة، خاصة وأن مصر باتت دولة مستوردة بشكل واضح لمختلف أنواع المحروقات والغاز الطبيعي، مضيفاً "الدعم النقدي هو الأصح والأكثر فاعلية للسوق حالياً".

وأكد غراب أن أهمية السعر تتراجع أمام أهمية توفير المنتج حفاظاً على استقرار السوق واستقرار العمليات التشغيلية والإنتاجية بالبلاد، وتجنب اللجوء إلى سيناريو أكثر صرامة بتقليص توريد المحروقات والغاز إلى قطاعات الدولة المختلفة.

تابع أن اجتماعات لجنة تسعير الوقود في مصر تأتي استجابة للتغير في الأسعار والتغير في تكلفة التأمين على مراكب نقل النفط والغاز، وبالتالي زيادة الـ 3 جنيهات التي قدرتها الحكومة المصرية كانت لمحاولة تكوين احتياطي نقدي لتفادي مزيد من العجز في الموازنة العامة للدولة، وتوفير سيولة دولارية تتمكن من خلالها الهيئة المصرية العامة للبترول والشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية "إيجاس" لإبرام تعاقدات على شحنات جديدة للمحروقات "وقود وغاز طبيعي ومسال".

لفت غراب إلى أن لجنة التسعير في مصر تدرس ما إذا كانت الزيادة الأخيرة تتلاءم مع التحركات العالمية الحالية لأسعار خام برنت من عدمه ومن ثم اللجوء إلى قرار جديد يعيد هيكلة أسعار بيع الوقود في السوق المصرية ارتكازاً على التغيرات في السوق العالمية سواء بصعودها أو تراجعها حال انتهاء توترات الشرق الأوسط، موضحاً أن قرار تحريك أسعار الوقود يرتبط بتحركات السوق العالمية وكميات النفط المعروضة والمتداولة عالمياً وأسعار الشحن والتأمين على سفن وحاويات نقل النفط والغاز.

تقييم انعكاسات زيادة الأسعار على السوق

وقال وزير البترول المصري الأسبق أسامة كمال، إن رفع أسعار الوقود ليس خياراً استثنائياً يخص مصر وحدها، بل هو الإجراء الذي تلجأ إليه الحكومات عادة عندما ترتفع تكلفة المنتجات البترولية، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن الوضع المصري له خصوصية واضحة بسبب حجم الدعم الكبير الذي ما يزال قائماً في تسعير المنتجات البترولية.

وأوضح كمال، في مقابلة مع "العربية Business"، أن الحكومة المصرية كانت قد أعلنت بوضوح، في آخر اجتماع للجنة تسعير المنتجات البترولية، أنها ستقوم بمراجعة هذا الملف إذا ما انخفضت الأسعار العالمية، وهو ما يعكس، بحسب قوله، أن آلية التسعير لا ترتبط فقط بالزيادات، بل أيضاً بإمكانية التعديل في حال تراجعت الضغوط.

وأشار إلى أن الموازنة المصرية بنيت على أساس سعر 75 دولاراً لبرميل النفط، وبالتالي فإن كل زيادة بدولار واحد في سعر البرميل تحمّل الموازنة أعباء إضافية تقدر بنحو 4 مليارات جنيه سنوياً، وهو ما يجعل أي استمرار لارتفاع الأسعار العالمية لفترة طويلة عاملاً شديد التأثير على الوضع المالي للدولة.

وأضاف أن الاجتماعات الدورية التي تعقد لمتابعة تطورات السوق ليست بالضرورة اجتماعات لاتخاذ قرارات فورية بزيادة الأسعار، وإنما تهدف أساساً إلى دراسة الوضع وتقييم أثر المستجدات على الموازنة وآلية التسعير.

وأكد كمال أنه لا يتوقع اتخاذ زيادات جديدة في الوقت الحالي، موضحاً أن أي تحريك جديد للأسعار لن يكون ذا مردود مقبول في الشارع ما لم يكن هناك مبرر واضح ومعلن يمكن تفسيره للرأي العام، لافتاً إلى أن الحكومة تحتاج إلى فترة زمنية بعد الزيادة الأخيرة من أجل تقييم انعكاساتها بشكل أدق.

وقال إن استمرار الأسعار العالمية عند مستوياتها الحالية يفرض على الحكومة إجراء حسابات دقيقة للأعباء الإضافية التي تتحملها الموازنة.

وأوضح كمال أن مصر تغطي حالياً نحو 60% من احتياجاتها من خلال الإنتاج المحلي، بينما تستورد نسبة 40% المتبقية من الخارج، وتكلفة هذه النسبة المستوردة تقارب ضعف تكلفة الكميات المنتجة محلياً، وهو ما يجعل تغير أسعار النفط العالمية وتقلبات سعر الصرف عاملين أساسيين في زيادة الضغوط على الموازنة المصرية.

زيادة سعات التخزين والعقود طويلة الأجل

وتابع الخبير البترولي جمال القليوبي، أن مصر تحتاج إلى زيادة بناء الخزانات السطحية إلى سعات تزيد عن المليوني برميل ودراسة إمكانية استغلال مناطق الصحراء الغربية لتخزين النفط الخام وأنواع من المحروقات، مشيراً أن سياسة تخزين النفط باتت ضرورة ملحة للاقتصاد المصري للحفاظ على استقراره حال ارتفاع أسعار المحروقات عالمياً.

وقال إن زيادة القدرات التخزينية لفترات تزيد عن 3 إلى 6 أشهر ستتيح حماية كافية للاقتصاد المصري من تقلبات الأزمات العالمية والفجوات السعرية بين العقود الجديدة للاستيراد وسعر بيع المنتجات في السوق المحلية.

لفت إلى إمكانية إجراء تعاقدات بعقود طويلة الأجل لاستيراد شحنات من النفط ضمن سياسة تخزين النفط وذلك في أوقات تراجع أسعار خام برنت العالمية، على أن يتم اللجوء إليها واستخدامها وضخها لمصافي التكرير المحلية حال حدوث أي أزمات تجبر الدولة على اللجوء إلى سياسة القوة القاهرة وتعطيل اتفاقيات التوريد.

تم نسخ الرابط
ads