رئيس مجلس الإدارة
عبدالحفيظ عمار
رئيس التحرير
محمد صلاح

لعبة الأرقام في شركات التوزيع.. من يوقف نزيف الفقد الفني؟

عالم الطاقة

في وقتٍ يقود فيه الدكتور محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، تحركًا واسعًا لإعادة ضبط الأداء داخل شركات توزيع الكهرباء، لا تزال معدلات الفقد الفني المرتفعة وتراجع نسب محاضر الضبطية القضائية تمثلان تحديًا حقيقيًا أمام المنظومة.

فالوزير شدد مرارًا على خفض الفقد، وتحسين التحصيل، وربط الحوافز بمؤشرات الأداء الفعلية، مؤكدًا أن استمرار النزيف في الشبكات لم يعد مقبولًا اقتصاديًا أو فنيًا. لكن بين التوجيهات الصارمة والنتائج على الأرض، تظل الفجوة قائمة في بعض الشركات.


أولًا: الفقد الفني… نزيف صامت داخل الشبكات:-

الفقد الفني ليس رقمًا عابرًا في تقرير شهري، بل مؤشر مباشر على كفاءة الشبكات وإدارتها خاصة ان الطاقة التي تُفقد ناتجة عن :
• تهالك الخطوط والكابلات
• التحميل الزائد على المحولات
• ضعف أعمال الصيانة الدورية
• عدم اتزان الأحمال بين الفازات
• طول مسارات التغذية في المناطق الطرفية

وفي ظل التوسع العمراني السريع وزيادة الأحمال، كان من المفترض أن تتواكب الاستثمارات في الإحلال والتجديد مع هذا النمو.٠٠إلا أن الواقع في بعض المناطق يكشف عن شبكات تعمل فوق طاقتها التصميمية، ما يرفع الفقد الحراري ويزيد من معدلات الهدر.

لكن الأخطر من قدم المهمات، هو ضعف الإدارة التشغيلية في بعض القطاعات، حيث تتراجع أعمال إعادة توزيع الأحمال أو القياس الدقيق لمناطق الاختناق، فتتضخم النسبة دون تدخل حاسم.

ثانيًا:تراجع الضبطيات… حلقة مفقودة في معركة الانضباط

إلى جانب الفقد الفني، يبرز تراجع نسب تحرير محاضر الضبطية القضائية في بعض الشركات كمؤشر مقلق.

فالضبطيات ليست مجرد أرقام، بل أداة ردع حقيقية لمواجهة سرقات التيار والتوصيلات غير القانونية.

انخفاض المحاضر قد يعكس:
• ضعف الحملات الميدانية
• تراجع المتابعة
• أو غياب التنسيق الكافي بين القطاعات الفنية والتجارية

وفي كل الأحوال، فإن أي تراجع في المواجهة الميدانية ينعكس مباشرة على الفقد الكلي، ويُفقد المنظومة جزءًا من قدرتها على السيطرة.


ثالثًا: جهود الوزير… إرادة واضحة تحتاج تنفيذًا صارمًا

لا يمكن إغفال التحركات التي يقودها وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، والتي شملت:
• متابعة دورية دقيقة لمؤشرات الفقد والتحصيل
• التأكيد على ربط الحوافز بنتائج الأداء
• الدفع نحو التوسع في العدادات الذكية
• توجيه حملات مكثفة لمكافحة سرقات التيار

غير أن إصلاح تراكمات سنوات يتطلب أكثر من توجيهات مركزية؛ يحتاج إلى التزام تنفيذي كامل داخل كل شركة، وإلى محاسبة واضحة لكل من يتقاعس عن خفض النسب المستهدفة

رابعًا: هل نحن أمام أزمة أرقام أم أزمة إدارة؟

التفاوت الكبير بين شركات التوزيع في نسب الفقد يفتح الباب أمام تساؤل مشروع:
إذا كانت الظروف العامة متشابهة، فلماذا تنجح شركات في خفض الفقد بينما تتعثر أخرى؟

الإجابة تكمن غالبًا في:
• كفاءة الإدارة الفنية
• سرعة الاستجابة للأعطال
• دقة قياس الفقد على مستويات الجهد المختلفة
• حجم المتابعة الميدانية

فالمشكلة ليست قدرًا حتميًا، بل نتيجة مباشرة لأسلوب الإدارة.

خامسًا: استمرار الفقد… تكلفة اقتصادية باهظة

كل نقطة مئوية إضافية في الفقد تعني:
• طاقة مُنتجة دون عائد
• ضغطًا ماليًا على الشركات
• تآكلًا في الموارد
• تباطؤًا في خطط التطوير

والأخطر أن استمرار الفقد المرتفع يضعف ثقة منظومة الإدارة في قدرتها على تحقيق الانضباط الكامل.


سادسا :تجربة «شمال القاهرة»… قراءة في عوامل النجاح

نجاح شركة شمال القاهرة في خفض الفقد خلال فترة وجيزة يفتح باب التحليل أمام عدة نقاط:
1. المتابعة اليومية الدقيقة لمؤشرات الفقد على مستويات الجهد المختلفة.
2. إعادة توزيع الأحمال بشكل أسرع في المناطق التي تعاني من اختناق.
3. تنشيط الحملات الميدانية لمواجهة سرقات التيار، بما انعكس على الفقد الكلي.
4. ربط الأداء بالمحاسبة الداخلية داخل القطاعات الفنية والتجارية.

هذه الإجراءات لا تبدو استثنائية من حيث المبدأ، لكنها حاسمة في التنفيذ. وهو ما يعيد طرح السؤال الجوهري:
إذا كانت الأدوات متاحة للجميع، فلماذا تختلف النتائ


الخلاصة: بين الإرادة السياسية والتنفيذ الميداني

رغم الجهود الواضحة التي يقودها وزير الكهرباء والطاقة المتجددة لإعادة الانضباط لشركات التوزيع، فإن الفقد الفني المرتفع وتراجع الضبطيات ما زالا يمثلان العقبة الأبرز أمام تحقيق نتائج ملموسة.

المعادلة الآن واضحة:-

• خطط موجودة
• توجيهات حاسمة
• متابعة مركزية مستمرة

لكن الحسم الحقيقي يبدأ من داخل كل شركة، ومن قدرة قياداتها على تحويل الأرقام من عبءٍ ثقيل إلى مؤشر نجاح.

فالطاقة التي تضيع في الشبكات ليست مجرد نسب مئوية… بل اختبار حقيقي لكفاءة الإدارة، ولقوة الإرادة في مواجهة التحديات دون مواربة أو تجميل للأرقام

تم نسخ الرابط
ads