محمد الماجرى يكتب:ـماذا يتحول ترشيد الكهرباء في مصر من خيار إلى ضرورة وطنية؟
في لحظات فارقة من تاريخ الأمم، تتداخل التحديات الداخلية مع المتغيرات الإقليمية لتفرض معادلات جديدة لا تقبل التبسيط. وتقف مصر اليوم أمام واحدة من أخطر اللحظات الجيوسياسية في المنطقة، مع تصاعد التوترات العسكرية في الخليج، وإغلاق مضيق هرمز، ذلك الممر المائي الذي تمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية. فجأة، لم تعد أزمة الكهرباء مجرد شأن محلي يتعلق بارتفاع فواتير الاستهلاك، بل تحولت إلى قضية أمن قومي بامتياز.
عندما تهز الحرب أسواق الطاقة
الحرب الدائرة في إيران، والتهديدات المستمرة بإغلاق مضيق هرمز، تعني في اللغة البسيطة أن أسعار الوقود العالمية مرشحة لارتفاع صادم. ومصر، التي تعتمد محطات توليد الكهرباء فيها بشكل كبير على الغاز ، ستجد نفسها أمام معادلة قاسية: إما أن تتحمل أعباء إضافية بمليارات الجنيهات لاستيراد الوقود، أو تواجه أزمة انقطاعات التيار تضرب المصانع والمستشفيات والمنازل. هنا بالضبط يكمن جوهر الترشيد.
ترشيد الكهرباء.. خط دفاع أول
تخيل معي أن كل لمبة موفرة نضيئها، وكل مكيف نخفض حرارته درجة واحدة، وكل جهاز كهربائي نطفئه بعد الاستخدام، هو بمثابة وثيقة تأمين وطني. فكل كيلووات نوفرها يعني كمية أقل من الوقود نحتاج لاستيرادها، وبالتالي دولارات أقل تخرج من الخزانة المصرية في وقت تشتد فيه الحاجة إلى كل دولار.
الأرقام تتحدث بوضوح: تخفيض استهلاك الكهرباء بنسبة 10% فقط يمكن أن يوفر للدولة مئات الملايين من الدولارات كانت ستنفق على استيراد الوقود. هذه الأموال يمكن أن تذهب بدلاً من ذلك إلى دعم السلع الأساسية، أو توفير الأدوية، أو تطوير التعليم.
أزمة إقليمية.. وفرصة ذهبية
لكن الأمر لا يتوقف عند حدود التوفير. ففي ظل شح الإمدادات العالمية، تبرز فرصة جديدة لمصر: تحويل أزمة الطاقة إلى مكسب استراتيجي. من خلال ترشيد الاستهلاك المحلي، تستطيع مصر توجيه فائض الغاز المسال لديها إلى الأسواق الأوروبية والعالمية بأسعار مرتفعة، محققة عائدات دولارية ضخمة تعيد بها بناء اقتصادها.
وتاتي فائدة الترشيد فى كونه حماية للمستهلك المصري من ناحية، وقوة دبلوماسية واقتصادية لمصر من ناحية أخرى.
رسالة إلى كل مواطن
أنت لست مستهلكًا عاديًا للكهرباء. أنت اليوم جندي في معركة وطنية. كل إطفاء لضوء غير ضروري، وكل فصل لجهاز في وضع الاستعداد، وكل ترشيد لاستخدام التكييف أو السخان الكهربائي، هو رصيد في حساب أمن مصر القومي.
الحرب في إيران قد تكون بعيدة جغرافياً، لكن تداعياتها تطرق أبواب منازلنا اليوم. إغلاق مضيق هرمز ليس مجرد خبر عابر، بل هو إنذار مبكر بأن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من تقلبات الطاقة.
وفى الختام
مصر اليوم أقوى مما كانت عليه قبل عشر سنوات، بفضل بنيتها التحتية العملاقة في قطاع الطاقة. لكن القوة وحدها لا تكفي إذا لم يقترن بها الوعي. ترشيد الكهرباء لم يعد رفاهية أخلاقية أو مجرد نصائح للتوفير، بل أصبح خط الدفاع الأول في مواجهة عاصفة إقليمية قادمة.
دعونا نجعل من كل منزل مصري نموذجًا في الترشيد، ومن كل مواطن سفيرًا للوعي. فالمستقبل يُصنع بقراراتنا اليومية، قبل أن تُصنع بقرارات القادة.
مصر تستحق منا أن نضيء بيوتها بعقل، لا أن نحرق مستقبلها بتبذير.