بين الترشيد القسري وكفاءة الطاقة: أين يجب أن تتجه سياسة الكهرباء في مصر؟
في ضوء ما أُعلن مؤخرًا عن تحقيق وفر في استهلاك الكهرباء يُقدّر بنحو ١٨ ألف ميجاوات ساعة خلال أسبوع واحد، نتيجة تطبيق إجراءات شملت تقليص ساعات عمل المحال التجارية وغيرها، يبرز تساؤل جوهري يفرض نفسه على طاولة التخطيط: هل هذا النمط من "الترشيد الإداري" هو المسار الأمثل لإدارة منظومة الطاقة في مصر، أم أننا نبحث عن الحل في غير موضعه؟
أولًا: قراءة رقمية في سياقها الصحيح
عند وضع رقم "١٨ ألف ميجاوات ساعة" في إطاره السنوي، يتبين أن هذا الوفر بتخيل استمراره لمدة عام كامل لا يتجاوز ٠.٥% من إجمالي استهلاك الكهرباء في مصر (الذي يتخطى ٢١٠ تيراوات ساعة سنويًا). في المقابل، تشير التقديرات إلى أن الفقد الكهربي (الفني والتجاري) يتراوح بين ١٥% و٢٠%.
وهنا تتضح المفارقة بجلاء: خفض الفقد بنسبة ١% فقط يعادل أكثر من ضعفي الوفر المتحقق من إجراءات الترشيد الحالية. بمعنى آخر، نحن أمام منظومة تفقد حوالي خُمس طاقتها، بينما نركز على تقليص استهلاك المستخدم النهائي بنسبة محدودة للغاية.
ثانيًا: هل المشكلة في الكهرباء أم في اقتصاديات تشغيلها؟من الناحية الفنية، لا تعاني مصر من عجز في القدرات الكهربائية المركبة، بل تمتلك فائضًا مريحًا يفوق أقصى الأحمال وعليه، فإن إجراءات الترشيد الحالية لا تستهدف سد نقص في "الإنتاج"، وإنما تستهدف خفض استهلاك الوقود الأحفوري وتقليل تكلفة التشغيل وتخفيف الضغط على موارد النقد الأجنبي. وهي أهداف مشروعة، لكن السؤال الأهم: هل الإغلاق المبكر للنشاط التجاري هو الأداة الأكثر كفاءة لتحقيقها؟
ثالثًا: الترشيد الحقيقي أم تقليص النشاط؟
من الضروري التمييز بين مفهومين:
١. الترشيد الحقيقي: تقليل الهدر مع الحفاظ على نفس مستوى الخدمة والإنتاجية.
٢. تقليص النشاط:خفض الاستهلاك عبر تقليل ساعات العمل وتعطيل الدورة الاقتصادية.
ما يحدث حاليًا يميل إلى النمط الثاني، وهو ما يترتب عليه تكلفة اقتصادية غير مباشرة تشمل انخفاض حجم المبيعات، وتأثر العمالة اليومية، وتراجع النشاط في قطاع الخدمات. وفي كثير من الحالات، قد تتجاوز هذه الخسائر القيمة الاقتصادية للوقود الذي تم توفيره.
رابعًا: خفض الذروة أم إدارة الطلب بذكاء؟
تستهدف هذه الإجراءات ما يُعرف بـ "خفض أحمال الذروة" (Peak Shaving). لكن الأدوات الحديثة تقدم بدائل أكثر كفاءة، ضمن إطار إدارة جانب الطلب (Demand Side Management)، مثل:
التعريفة حسب وقت الاستخدام (Time-of-Use Tariff):التي تدفع المستهلك اختيارياً لإزاحة أحماله خارج وقت الذروة.
خامسًا: أين يكمن موطن الهدر الحقيقي؟
المعالجة الجذرية تبدأ من داخل المنظومة، وليس عند المستهلك فقط، وذلك من خلال:
١. خفض الفقد الفني: بإستمرار تحديث شبكات التوزيع وتحسين معامل القدرة (Power Factor).
٢. مكافحة الفقد التجاري: بإستمرار التصدي الحازم لسرقات التيار وتحسين نظم القياس والتحصيل.
٣. التحول الرقمي: استكمال التوسع في العدادات والشبكات الذكية القادرة على المراقبة اللحظية لمنع التسريب.
الخلاصة
بالرغم من أنني لست ضد إغلاق المحال من المنظور الثقافي والاجتماعي إلا أنه عندما حينما يكون الفقد في الشبكة في حدود ٢٠%، فإن التركيز على إجراءات تحقق أقل من نصف بالمائة من الوفر عبر تقييد النشاط الاقتصادي يطرح تساؤلاً مشروعاً: لماذا لا نبدأ من حيث يكمن الهدر الحقيقي؟
إن ترشيد الطاقة يظل هدفًا وطنيًا مهمًا، لكن تحقيقه بشكل مستدام يرتبط أساسًا بـرفع كفاءة المنظومة بالتوازي مع إدارة الطلب، مع مراعاة الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية. لأن الطاقة في جوهرها ليست مجرد أرقام مقاسة بل هي ركيزة الإنتاج ومحرك التنمية.
بقلم: أ.د. أمجد الوكيل
استاذ نظم القوي الكهربية